جعفر الخليلي
234
موسوعة العتبات المقدسة
أن معرفة الإمام الصادق بالشؤون الدينية والثقافية كانت ممتازة ، وكان على علم تام بالفلسفة ، وبلغ مبلغا عظيما من التقوى ، وترفع عن الشهوات بالمرة . وقد عاش مدة طويلة في المدينة بحيث أفاد طائفته وأتباعه إفادة تامة ، ونفع أصدقاءه بالعلوم الخفية . وزار بعد ذلك العراق ، لكنه لم يظهر للملأ فيعلن إمامته ، ولم يبحث في شؤون الخلافة مع أحد . لأنه كان غارقا في بحور العلم والمعرفة ، من دون أن يروقه أي شيء آخر ، فمن يرتفع إلى قمة الصدق لا يخشى التدني . وبتعبير آخر : أن الذي يتفرغ للّه ينكمش عن البشر لكن من يعتصم بغير اللّه تقضي عليه الشهوات « 1 » . . وكان الصادق يتصل بشجرة النبوة من جهة الأب بطبيعة الحال وبأبي بكر الصديق من جهة الأم . ويضيف دونالدسون على ذلك قوله أنه قال ذات يوم : برئت ممن يذكر أبا بكر وعمر بسوء . وقد يكون موقفه هذا تجاه أهل أمه ، أو قابليته في تقدير المزايا الحسنة في الخليفتين الأولين ، مما ساعده على تحاشي سوء ظن الخلفاء الذين عاصروه به - أي هشام والوليد وإبراهيم ومروان من الأمويين ، والسفاح والمنصور من العباسيين . . ويذكر كذلك عن الكليني بعض الكرامات والمعجزات ، وعن مقابلاته لأبي جعفر المنصور الذي كان يخشاه ويسيء الظن به . ويظهر مما يذكر عن النمط الذي كان يتبعه الإمام الصادق في حياته العلمية وغيرها وهو قابع في حديقته الجميلة في المدينة ، والسخاء الذي كان يبذله في استقبال زواره فيها من جميع الطبقات ، بأنه كان يعقد مجامع للمناقشة ، أو يدير مدرسة فلسفية على نمط مدرسة سقراط . فأن
--> ( 1 ) هذا ما يقابل النص الوارد بالإنكليزية ، أما النص الأصلي الوارد في كتاب الملل والنحل فيقول الشهرستاني فيه « . . وقد أقام في المدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين اليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ، ثم دخل العراق ، وأقام بها مدة ما تعرض للأمامة قط ، ولا نازع أحدا في الخلافة ، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط ، وقيل من أنس باللّه توحش عن الناس ومن استأنس بغير اللّه نهبه الوسواس . . »