جعفر الخليلي

17

موسوعة العتبات المقدسة

الفرق بين الطبري وابن اياس ونوضح هذه الناحية بمثال : نحن نقول إن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري توفى ( 310 ه 922 م ) عميد مؤرخينا قبل ابن خلدون ، وان البون شاسع بينه وبين رجل مثل محمد بن أحمد بن أياس توفي ( حوالي 932 ه 1528 م ) مع أن ابن أياس مؤرخ ممتاز متقن لفنه ، وكتابه ( بدائع الزهور ) من الأصول التي لا يستغنى عنها باحث في تاريخ دول الاسلام ، وهو من حيث الطول والاتساع لا يقل عن تاريخ ( الرسل والملوك ) للطبري ، ولكن الطبري لم يكن مجرد مؤرخ ، انما كان بحرا من العلم ، وقد كتب قبل ان يكتب التأريخ تفسيره المشهور ، وهو دائرة معارف تجمع كل علم وفن ، فما نمّر فيه بتفسير آية كريمة الا وجدناه يفيض في الشرح والتفسير غير مغادر لمحة تاريخية أو أدبية أو علمية الا ذكرها . اما ابن أياس فمؤرخ فحسب ، وهو يسرد الحوادث دون ان يدل على اتساع وافق أو تبحر علم أو نظر إلى ما وراء ما يكتب ، والفرق بينه وبين الطبري هي الموسوعية والشمول ، وهما في حساب الثقافة العربية المقياس الحقيقي لعلم العالم ، وهي الميزة التي تميز العالم العربي عن غيره . فالطبري مؤرخ من مؤرخي عصر الازدهار لأنه موسوعي ، وابن أياس من رجال الاضمحلال لأنه غير موسوعي ، والطبري وحده يعدل في تأريخنا الفكري كل مؤرخي القرن السادس الهجري من أمثال بهاء الدين بن شراد المتوفى ( 632 ه 1235 م ) وابن ظاهر الأسدي المتوفى ( 612 ه 1215 م ) وسبط ابن الجوزي المتوفى ( 654 ه 1256 م ) وشهاب الدين أبي شامه المتوفى ( 665 ه 1267 م ) وهو أكبر مؤرخي القرن السادس تنقصه الموسوعية ،