الياس شوفاني

84

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الآراء والنظريات بشأن العوامل المحركة لهذه الاندفاعة الضخمة ، التي غيّرت اللون السياسي للشرق الأدنى القديم كله . وبينما أدخلت حركة شعوب البحر نهجا جديدا في الصراع السياسي بشأن الهيمنة على المنطقة ، سوف يتكرر لاحقا ، فإن حركة القبائل المحلية ، واستقرارها وبلورة شخصيتها ، وبالتالي التعبير السياسي عن ذلك بممالك جديدة ، ظلت تتبع النمط السابق نفسه المعروف منذ قرون طويلة . فحتى الآن ، كان الصراع يدور بين مركزين رئيسيين - العراق ومصر - وما بينهما في بلاد الشام ، المتأثرة سلبا وإيجابا بهذا الصراع ، في حين أن نزاعاتهما مع الغزاة من ليبيا في الغرب ، أو مع عناصر هندية - أوروبية من الشرق والشمال الشرقي لم تتوقف . أمّا الآن فقد دخل الشمال الغربي ، الأمر الذي شكّل سابقة كان من شأنها أن تتكرر في العصور اللاحقة ، كما حدث في حملة الإسكندر المقدوني ، ولاحقا الاحتلال الروماني ، فما بعده حتى يومنا هذا . وإذ تتضارب الآراء بشأن حوافز هجرة شعوب البحر ، بين الجوع والجشع والقرصنة ، أو بين الانهيار الاقتصادي والكوارث الطبيعية والضغط الآتي من الشمال ، فإن هناك اتفاقا على أن انحلال « ائتلاف مسينا » ، وما تبعه من سقوط طروادة ، شكلا إيذانا بانفجار هذه الحركة الواسعة . وقد وقع ذلك نحو سنة 1200 ق . م . وبفضل الروح القتالية العالية لتلك الشعوب ، وتفوق سلاحها المصنوع من الحديد ، استطاعت تحقيق النصر على جيوش الإمبراطوريتين - الحثية والمصرية - وأتباعهما ، وخصوصا بعد الضعف الذي اعتراهما جرّاء الصراع الطويل من دون حسم . وفي فترة لا تزيد عن قرن من الزمن ، اتخذ الشرق الأدنى القديم شكلا سياسيا جديدا ، حدد المتنافسون الجدد فيه مسار تاريخه في عصر الحديد . ففي نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، بدأت حركة شعوب جديدة من منطقة بحر إيجة ، في اتجاه الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وشمال الدلتا في مصر . وهناك من يعزو هذه الحركة إلى الضغط الناتج عن توسع قبائل يونانية من بلاد البلقان جنوبا . وهذا التحرك معروف من أيام الفرعون مرنفتاح ( 1224 - 1216 ق . م . تقريبا ) ، الذي واجه تحدّيا مزدوجا - من الغرب ( ليبيا ) ، ومن الشمال ( بحر إيجة ) . وتفيد المصادر المصرية أن هذا الفرعون تغلب على الغزاة ودحرهم . لكن هذه الموجة كانت الطليعة فقط ، إذ تبعتها موجات أكبر وأعظم ، وكان أثرها على غرب آسيا أشدّ وقعا منها على مصر . وعندما استطاعت القوى المحلية صدّ الغزاة ، اندفعوا في اتجاه آخر ، وبذلك تركوا بصماتهم في جميع أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي .