الياس شوفاني
486
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
وإزاء التحوّل في السياسة البريطانية عن المشروع الصهيوني ، عمدت الوكالة اليهودية إلى الانتقال من مرحلة تجسيد وعد بلفور وتهيئة الأوضاع لإقامة « الوطن القومي اليهودي » ، إلى المطالبة بإعلان الدولة اليهودية ، حتى وإن كانت الأوضاع لم تتهيّأ بعد . ورأت الحركة الصهيونية الفرصة تلوح في الأفق من خلال الحرب العالمية الثانية ، معتمدة هذه المرة على الولايات المتحدة . وكانت هذه الأخيرة قد تخلصت من سنوات الركود ، وتقدمت خطوة كبيرة في « سياسة الباب المفتوح » ، على قاعدة « الصفقة الجديدة ، التي عرفت باسم « مبدأ روزفلت » . وأرسل روزفلت مندوبا له إلى الشرق الأوسط ، الجنرال باتريك هيرلي الذي عاد إليه بتقرير يقول إن المنظمة الصهيونية تريد دولة مستقلة في فلسطين ، وتهجير سكانها إلى العراق ، وضمان موقع مسيطر على اقتصاد الشرق الأوسط ومشاريع التنمية فيه . وكان سلوك واشنطن في أثناء الحرب وبعدها يشير بوضوح إلى أنها أيدت هذه المطالب الصهيونية ، فعملت على تجسيدها بكل نشاط . وفي الحرب ، وعندما تفاقم خطر النازية على يهود أوروبا الوسطى ، بعد أن حدّدتها السياسة الألمانية « منطقة خالية من اليهود » ، وطرحت مسألة تهجيرهم واستيعابهم في أوروبا الغربية واستراليا والأميركتين ، بما ينسجم مع رغبة هذه الدول ، تراجعت الولايات المتحدة عن دعم المشروع بناء على طلب المنظمة الصهيونية ، التي أصرت على أن تكون وجهة هجرتهم إلى فلسطين ، لتثبيت أركان الاستيطان فيها وتهيئة الأوضاع لإعلان الدولة اليهودية . ولكن بريطانيا ، وهي تخوض حربا عالمية ، قدرت النتائج السلبية الناجمة عن تلبية مطالب الصهيونية ، فعمدت إلى الخديعة مرة أخرى ، ولكن بالاشتراك مع الولايات المتحدة هذه المرة ، بديلا من فرنسا في الحرب الأولى . وعندما تفهمت إدارة روزفلت المناورة البريطانية انهالت عليها الاحتجاجات الصهيونية ، بعد البيان الأنكلو - أميركي ، الذي رمى إلى تطمين العرب وضمان عدم انحيازهم إلى جانب ألمانيا في الحرب . وتحرك بعض أذرعة المنظمة الصهيونية للتعامل مع الاستخبارات الألمانية من أجل تهجير اليهود إلى فلسطين ، الأمر الذي تولاه أدولف أيخمان في مراحله الأولى ( 1941 م ) . وفي الواقع ، فإن المنظمة الصهيونية ، وخصوصا بعض أجنحتها اليمينية المتطرفة ، أحبطت توطين يهود أوروبا الوسطى في الغرب ، كما ساهمت في إنزال الكوارث ببعض الجاليات اليهودية الأوروبية وحملت حكومات الغرب المسؤولية الأخلاقية عنها . وكما فعلت في الحرب العالمية الأولى ، كان همّ بريطانيا في الثانية أن تجر الولايات المتحدة إليها ، ورأت في المنظمة الصهيونية أداة لبلوغ مبتغاها . ومرة