الياس شوفاني
455
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
في المقابل ، فهذه التطورات زادت في الفوارق الطبقية بين السكان العرب ، إذ أصبح الأثرياء أكثر ثراء ، والفقراء فقرا . وفي هذه الأوضاع نما وعي شعبي نضالي ، يتسم بدرجة عالية من العفوية والتلقائية ، جرى التعبير عنه باستعداد قطاعات واسعة من جماهير الشعب الفلسطيني ، ومعها شريحة من المثقفين ، للعمل خارج حسابات القيادات التقليدية ، بل ضد إرادتها . أ ) ثورة القسام في هذه الأجواء المشحونة بتفاقم التناقض بين الاستيطان والانتداب ، من جهة ، والحركة الوطنية الفلسطينية ، من جهة أخرى ، وتعمق أزمة العمل السياسي الفلسطيني واختلال أوجه نشاطه ، نشبت ثورة الشيخ عز الدين القسام ، مدشنة مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني . فعلى خلفية الإحباط الذي أصاب الحركة الوطنية ، من نهج قيادتها التقليدية - المفاوضات والتمرد السلبي والتظاهر والاحتجاج . . إلخ - أسس الشيخ القسام حركته على الكفاح المسلح ، سبيلا لمقاومة الاستعمار والصهيونية . وباتباعه أسلوب الهجوم المسلح التكتيكي ، من موقع الدفاع الاستراتيجي ، دشّن القسام الكفاح المسلح في الحركة الوطنية الفلسطينية ، مجسدا بذلك عروبة النضال ضد الصهيونية والاستعمار ، كونه من أبناء شمال سورية . وكان طبيعيا في الأوضاع القائمة آنذاك ، أن يعتمد القسام أسلوب التنظيم السرّي الخلوي ، وأن يحيط عمله بستار كثيف من الكتمان ، ويختار الأعضاء بدرجة عالية من الحذر . ومع ذلك ، وفي غياب الشروط اللازمة لنجاح الكفاح المسلح ، ذاتيا وموضوعيا ، وتحت ضغط التطورات ، عمد الشيخ إلى البدء بعمله المسلح ، كوسيلة لاستنهاض الجماهير ، فأصيبت حركته بنكسة في مستهل نشاطه ، واستشهد هو نفسه ، وتبعثرت مجموعاته ، لتعود وتظهر في « الثورة العربية الكبرى » ( 1936 م ) . ولد القسام سنة 1871 م في مدينة جبلة السورية ، ودرس في الأزهر ، حيث تلقى العلم عن الإمام الشيخ محمد عبده ، واشتغل بعد تخرجه بالتدريس في بلده . وبعد الانتداب الفرنسي على سورية ، انضم إلى عصبة عمر البيطار للجهاد ضد المستعمرين . ثم شارك في ثورة الشيخ صالح العلي ( 1920 - 1921 م ) ضد الفرنسيين . وبعد انتهاء الثورة ، لجأ إلى حيفا ( 5 شباط / فبراير 1922 م ) ، هربا من السلطات الفرنسية التي أصدرت حكم الإعدام بحقه . وفي حيفا ، اشتغل بالتدريس في جامع النصر والمدرسة الإسلامية ، التي كانت معقلا للحركة الوطنية الفلسطينية . ثم عينه المجلس الإسلامي الأعلى خطيبا لجامع الاستقلال في حيفا ، ومأذونا شرعيا