الياس شوفاني

445

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وبلغت أرقاما لم تعرفها من قبل ، إذ ارتفع عدد المهاجرين من 750 ، 104 حتى سنة 1930 م ، إلى 645 ، 284 حتى سنة 1936 م ، أي بزيادة 164 % ، وهذا بحسب الإحصاءات الرسمية ، التي لا تتضمن الهجرة غير الشرعية ، التي تقدر بالآلاف . ولم تحاول الحكومة وضع أية قيود على هذه الهجرة الكثيفة ، التي بالتأكيد لا تتناسب مع « قدرة البلاد على الاستيعاب » ، كما كانت تؤكد دائما . في المقابل ، وما عدا العودة إلى طرح موضوع المجلس التشريعي لتهدئة الخواطر العربية كلما لاحت في الأفق بوادر التململ ، لم تقم حكومة الانتداب بأية بادرة تجاه الفلسطينيين ، من شأنها تطمينهم إلى صيانة حقوقهم وضمان أسباب معيشتهم في وطنهم ، إزاء ازدياد عدد المستوطنين ، وارتفاع نبرة الدعوة إلى إعلان فلسطين دولة يهودية ، ولو بالقوة ، التي راحت تستند أكثر فأكثر إلى منظمات إرهابية مسلحة ، وإلى مؤسسات استيطانية فاعلة . وفي كل مرة أثير موضوع المجلس التشريعي والحكم الذاتي ، استطاعت الوكالة اليهودية إحباطه ، وفرضت على حكومة الانتداب التراجع عن التعامل معه بجدية . غير أن الأرقام التي وصلتها الهجرة اليهودية في الثلاثينات ، لم تكن نتيجة إلغاء الكتاب الأبيض لسنة 1930 ، وتراجع حكومة مكدونالد عن موقفها من الاستنتاجات التي توصلت إليها لجان التحقيق البريطانية فحسب ، بل بسبب تصاعد النازية في ألمانيا ، وأثر ذلك في يهود أوروبا الوسطى أيضا . ففي سنة 1933 م ، وبينما تولى أدولف هتلر السلطة الفعلية في ألمانيا ، تسلم الرئاسة في الولايات المتحدة فرانكلن روزفلت ، وبيده سلطات استثنائية للخروج من الأزمة الاقتصادية ، تحت شعارين : « النظام الجديد » داخليا ، و « الصفقة الجديدة » خارجيا . واعتمد روزفلت على مجموعة من المستشارين ، ضمت أبرز رموز العمل الصهيوني في الولايات المتحدة ، مثل : فيلكس فرانكفورتر والقاضي سامويل رونمان والأستاذ الفخري بيرنارد باروخ وناثان مريغولد وغيرهم . وهكذا تشكل وضع ملائم جدا للحركة الصهيونية لزيادة معدلات الهجرة ، مستغلة الإجراءات النازية إزاء اليهود في ألمانيا ، وأثرها في المحيط ، وخصوصا في بولونيا ، ومستفيدة من التأييد الذي توليها إياه إدارة روزفلت بتوجهاتها الجديدة ، وكل ذلك في وقت تراجعت به الحركة الوطنية الفلسطينية ، وقصّرت في أداء دور فاعل لدرء الخطر الداهم على البلد ، عبر السياسة التي انتهجتها حتى الآن . لكن الأوضاع المواتية للعمل الصهيوني أوجدت توترا داخله ، بين تيار الوسط الذي رأى ضرورة انتهاز الفرصة وتصليب القاعدة الاستيطانية بالتعاون مع حكومة الانتداب ، وبين التيار اليميني المتطرف ، الذي طرح ضرورة انتهاز تلك الفرصة