الياس شوفاني
443
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
وعلى الرغم من الإحباط وخيبة الأمل اللذين ألمّا بالقيادة السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية جرّاء تعاملها مع الحكومة البريطانية ، فقد استقبلت الكتاب الأبيض الثاني بارتياح مشوب بالحذر . فمع تشبثه بتعهدات بريطانيا إزاء الحركة الصهيونية ، وعد بإنصاف العرب وحماية حقوقهم المدنية . لكن مصير البيان لم يقرره الزعماء الفلسطينيون ، ولا حتى حكومة مكدونالد ، كما ثبت ذلك في الواقع ، وإنما الحركة الصهيونية وأنصارها في بريطانيا والولايات المتحدة . فغداة نشر البيان ، أثارت الحركة الصهيونية ضده موجة من الاحتجاج والتنديد في الأوساط الصحافية والسياسية ، في بريطانيا وأميركا . وانبرى فرسان الاستعمار البريطاني ، من حزبي المحافظين والأحرار - بلدوين وتشرشل وتشمبرلين ولويد جورج وسمتس - لمهاجمة الحكومة ودعوتها إلى العدول عن بيانها . وكذلك ، وبتظاهرة استعراضية ، قدم وايزمن ، المعروف في الحركة الصهيونية بعلاقاته البريطانية ، استقالته من رئاسة المنظمة وإدارة الوكالة اليهودية ، وتبعه فيلكس واربرغ واللورد ملتست ، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة . وتحركت القوى الصهيونية في الولايات المتحدة ، فأعلنت اللجنة اليهودية الأميركية أن حكومة بريطانيا قد ارتدت عن وعد بلفور ، وجندت كل قواها السياسية والمالية والإعلامية لتفعيل الضغط على حكومة مكدونالد . وكان الأشد تأثيرا عليها الضغط الاقتصادي في فترة الركود العالمي ، إذ دعت المنظمات الصهيونية وأنصارها إلى تشديد الضغط الاقتصادي على بريطانيا ، بما في ذلك مقاطعة بضائعها ، والتضييق عليها في تسديد فوائد ديونها لبيوت المال الأميركية . وإزاء الضغط الاقتصادي والسياسي والإعلامي ، من الداخل والخارج ، تراجعت حكومة مكدونالد عن الكتاب الأبيض ، وأرسلت إلى المنظمة الصهيونية رسالة ( 13 شباط / فبراير 1931 م ) ، تؤكد فيها تمسكها بالموقف البريطاني التقليدي . وقد سماها العرب « الكتاب الأسود » ، إذ رضخت الحكومة البريطانية إلى الضغوط الصهيونية والأميركية . واعتبرت المنظمة الصهيونية تلك الرسالة تراجعا عن الكتاب الأبيض ، وإلغاء له . ولخص وايزمن في مذكراته أهمية تلك الرسالة ، بما يلي : « إن رسالة مكدونالد قد غيّرت سياسة الحكومة وإدارة فلسطين ، الأمر الذي مكننا من تحقيق مكاسب ضخمة في الأعوام اللاحقة . وبسبب هذه الرسالة سمح للهجرة اليهودية بالوصول إلى 000 ، 40 سنة 1934 م و 000 ، 62 سنة 1935 م ، وهي أرقام لم نكن نحلم بها سنة 1930 . » « 41 » لقد حققت استقالة وايزمن الاستعراضية أغراضها ، وتراجعت حكومة مكدونالد ،
--> ( 41 ) John Hadawi , op . cit . , Vol . I , pp . 233 - 234 .