الياس شوفاني
387
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
في تهويد فلسطين ، وتغييب سكانها العرب الأصليين . ولتسهيل سيطرة الاستيطان الصهيوني على نواحي الحياة في فلسطين ، اعترفت إدارة الانتداب بالمؤسسات الصهيونية التي أقيمت لذلك الهدف . ومن بين هذه المؤسسات : الوكالة اليهودية ، التي مهمتها تهويد السكان عبر الهجرة والاستيطان ؛ والصندوق القومي اليهودي ( هكيرن هكييمت ) لتهويد الأرض عبر الاستملاك بشتى الوسائل ؛ ونقابة العمال اليهود ( الهستدروت ) لتهويد العمل والاقتصاد . وعلاوة على ذلك منحت إدارة الانتداب امتيازات على أراض واسعة وموارد طبيعية لشركات استيطانية صهيونية ، لتقام عليها مشاريع الري والكهرباء واستخراج المعادن والأملاح وصناعة الأسمنت وغيرها . وبفضل الامتياز الذي أعطي لمشروع روتنبرغ ، ولمدة سبعين عاما ، تمّ احتكار توليد الكهرباء في فلسطين كلها تقريبا . وقد حصل صاحب المشروع ( روتنبرغ ) على الامتياز من إدارة سامويل ( أيلول / سبتمبر 1921 م ) . وبسبب خلافات بين الشركاء ، تأخر الامتياز الذي منح لشركة بوتاس البحر الميت حتى سنة 1927 م ، وكان لمدة 75 عاما . في المقابل لم يمنح امتياز واحد للعرب الفلسطينيين ، بل على العكس ، جرى التضييق على أصحاب بعض المشاريع الصغيرة لإكراههم على بيعها ، كما حدث مع شركة كهرباء القدس ومشروع ري الحولة ( عين الملاحة ) والحمة ( المياه الكبريتية ) . وفي الواقع ، فإن حكومة الانتداب ، التي رأت مهمتها المركزية تجسيد وعد بلفور ، كان لا بدّ من أن تتخذ الإجراءات اللازمة لذلك ، وتغطيها بتشريعات تضفي عليها السمة القانونية . فقد صفّت البنك الزراعي الذي أقيم تحت الحكم العثماني لمساعدة الفلاحين ، وفرضت على هؤلاء ضرائب باهظة أغرقتهم بالديون . وسنّت قوانين تخدم تجنيس المهاجرين اليهود ، بعد أن فتحت أمامهم أبواب البلاد على مصراعيها . كما أجرت مسحا للأراضي ، وفرزت أملاك الدولة ، ليسهل بيعها أو نقل ملكيتها . ومنحت المؤسسات المالية الصهيونية ، العامة والخاصة ، امتيازات اقتصادية . وسمحت للمؤسسات الاستيطانية التصرف بحرية لتهويد الأرض والسكان والاقتصاد والعمل . ولكن الأهم هو السلوك ، بناء على صك الانتداب ، إزاء الهيئات الصهيونية على أنها سلطة موازية لحكومة الانتداب ، تشارك في صنع القرار بالنسبة إلى جميع نواحي الحياة بالبلد . بل أكثر من ذلك وبسبب علاقتها مع حكومة لندن ، صارت الهيئات الصهيونية بمثابة رقابة على حكومة الانتداب ، وبالتالي موجهة لأعمالها . لقد كان من شأن الأوضاع التي تشكلت في فلسطين تحت الانتداب أن تولد صراعا مثلث الجوانب ، يزداد حدة ، أو يتراجع ، وفقا لاحتدام التناقض الناجم عن