الياس شوفاني
377
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ومع تكشف عملية الخداع التي مارسها الحلفاء على الحركة القومية العربية ، وافتضاح مؤامراتهم على تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ لهم ، تمحور الهمّ العربي ( دمشق ) على الاستقلال . ومع أن لا تعارض نظريا بين الهمّين - العربي والفلسطيني - إذ لم يبرز هذا التعارض في المرحلة المبكرة ، إلّا إنه مع اشتداد الهجمة الإمبريالية - الصهيونية ، وتقسيم البلاد العربية ، أصبحت الحركة العربية بمجملها في موقع الدفاع عن النفس ، وتركزت أولوية كل جانب فيها على مشكلاته المباشرة . وراحت الاتصالات بين الأجزاء تضعف ، وبالتالي يأخذ النشاط طابعا إقليميا ، شكلا ومضمونا . وتظهر مؤشرات ذلك في قرارات المؤتمر العربي الفلسطيني الأول ، إذ رفعت شعارات الوحدة والاستقلال ، لكن الأساس تمحور حول الخطر الصهيوني المتفاقم ، وفي المقابل ، صار الهمّ في دمشق الحفاظ على الاستقلال في مواجهة الخطر الفرنسي الداهم . وفي الواقع ، فإنه إزاء الوضع الذي تشكل بعد الحرب ، وعلى أرضية المشاريع المطروحة بالنسبة إلى الوطن العربي ، لم يعد الاستقلال على رأس هموم الحركة الوطنية في فلسطين ، بقدر ما أصبح همها إنقاذ البلد من براثن الصهيونية . ولا غرو أن هذه الحركة كانت معنية بتوثيق الارتباط بالحركة القومية الأم ، لكن الواقع فرض نفسه بقوة . لقد أصبحت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني ، وتسيطر عليها إدارة عسكرية ، بينما المنظمة الصهيونية تحاول الانقضاض عليها لتهويدها . في المقابل ، كانت الحركة القومية في دمشق ، وإزاء مشاريع الانتداب ، وبعد أن أعلنت حكومتها ، تصارع على البقاء في مواجهة فرنسا الطامعة باحتلال سورية ، وذلك من دون الاستناد إلى دعم أكيد من بريطانيا ، التي راحت تعد للانسحاب منها . وبناء عليه ، أعربت قرارات المؤتمر الذي عقد في القدس عن الرغبة في اعتبار فلسطين جزءا لا يتجزأ من سورية ، بعد منحها الاستقلال الناجز ، كما عبرت عن الرفض القاطع لتهويد فلسطين على قاعدة وعد بلفور . ومع ذلك ، طلب المؤتمر من بريطانيا « الصديقة » العون على تطوير البلد وتحسين أوضاع سكانه ، ووعد بالحفاظ على علاقات طيبة مع الحلفاء . وأبلغ المؤتمر مضمون قراراته إلى مؤتمر باريس للسلام ، لتعزيز موقف الوفد العربي هناك برئاسة الأمير فيصل . كما أرسل وفدا إلى دمشق لإبلاغ الوطنيين العرب هناك مضمون القرار الذي يدعو إلى تسمية فلسطين « سورية الجنوبية » ، وتوحيدها مع « سورية الشمالية » . واعتمدت قرارات المؤتمر أساسا لكل الشهادات المقدمة إلى لجنة كنغ - كرين الأميركية ، التي بدأت عملها في فلسطين في 10 حزيران / يونيو 1919 م . وتوالت بعد المؤتمر المذكرات وعرائض الاحتجاج ضد وعد بلفور وسلخ