الياس شوفاني

361

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

لاحقا ) . وتشكلت هذه الكتيبة ونقلت إلى مصر ، ولم تعد إلى فلسطين إلّا بعد انتهاء الحرب . وغداة احتلال بلاد الشام ، كان في قوات الحلفاء نحو 5000 جندي يهودي ، تجمعوا في فلسطين ، على أن يمهدوا الطريق أمام إقامة الدولة اليهودية فيها . ولكن ذلك لم يتحقق ، وتفككت هذه الكتائب وتبعثرت . وعلى صعيد أعمال التجسس ، وفضلا عن نشاط المنظمة الصهيونية على الساحة الدولية ، فقد تشكلت في فلسطين منظمة سرّية من غلاة التطرف الصهيوني . وكان مؤسسها أهرون أهرونسون ، يعمل مديرا لمحطة التجارب الزراعية في عتليت . وبسبب خبرته الزراعية تقرب من جمال باشا ، الذي عينه رئيسا لهيئة مكافحة الجراد في سورية . ومن موقعه هذا ، تنقل أهرونسون في طول البلاد وعرضها ، وجمع المعلومات عن انتشار القوات التركية وتحصيناتها ، ونقلها إلى القيادة البريطانية . وحملت الشبكة اسم « نيلي » ، وكانت على اتصال ، عبر سارة ، أخت أهرونسون ، مع السفير الأميركي في إستنبول . إلّا إن الأتراك اعتقلوها أخيرا ، وانتحرت في السجن . وقد سافر أهرونسون عدة مرات إلى مصر وإنكلترا ، وحتى إلى الولايات المتحدة ، إذ شجعته الدوائر الاستخبارية على مواصلة العمل مع الاستخبارات البريطانية . وكان من أهداف « نيلي » التمهيد لإنزال بحري على شواطئ فلسطين . لكن الشبكة اكتشفت ، واعتقل بعض أفرادها ، وهرب آخرون ، كما أعدم عدد منهم . وعلى الرغم من تنصل الحركة الصهيونية من أعمال « نيلي » واستنكارها لفترة طويلة ، فقد أعادت حكومة إسرائيل لها اعتبارها ( 1967 م ) ، عندما قلد رئيسها وسام الاستحقاق لأخت سارة ، نيابة عنها . أمّا أهرون فقد مات في أوضاع غامضة ، وهو في رحلة جوية بين باريس ولندن ، إذ تحطمت طائرته وسقطت في البحر . ولكن ، بغض النظر عن النشاط الصهيوني في الحرب ، بأشكاله المتعددة ، وكذلك عن الدوافع الأميركية لدعم المشروع الصهيوني ، فإن وعد بلفور يبرز تلاقي المصالح الإمبريالية البريطانية مع الأهداف الصهيونية . وقد عبر عن هذا التلاقي الوزير في حكومة لندن ، هربرت سامويل ، في مذكرة قدمها لحكومته ، ولبعض أعضاء البرلمان ( 1915 م ) ، شرح فيها الفوائد التي ستجنيها بريطانيا من تأسيس دولة يهودية في فلسطين ، تحت إشرافها وحمايتها ، بعيدا عن فكرة تدويلها . فمثل هذه الدولة ، في هذه النقطة الاستراتيجية - قلب الوطن العربي - وعند ملتقى طرق المواصلات بين القارات الثلاث - آسيا وأوروبا وإفريقيا - تحقق لبريطانيا مصالح حيوية متعددة . فهي تشكل مرتكزا لحماية قناة السويس - أهم ممر مائي في العالم - وقاعدة للسيطرة على شواطئ البحرين ، المتوسط والأحمر ، وخط دفاع أول عن الاحتلال البريطاني