الياس شوفاني

326

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

بريطانية ، التقطت الفكرة ، وحاولت توظيفها لمصلحة بريطانيا في مواجهة فرنسا . وعادت هذه الفكرة إلى البروز مرة أخرى بعد مؤتمر لندن ( 1840 م ) ، وفرض الانسحاب من بلاد الشام على محمد علي . وكان ذلك بالتأكيد كردة فعل على التهديد الذي انطوت عليه الحملة المصرية للمصالح البريطانية . ومع ذلك ، ظلت استجابة يهود أوروبا - الشرقية والغربية - فاترة جدّا للدعوة التي أطلقها بالمرستون . ومنذ الستينات من القرن التاسع عشر ، ازداد التدخل الأوروبي في شؤون السلطنة ، نتيجة ضعفها المتزايد . وقد جرى التعبير عن ذلك باتساع مجال الامتيازات التي طالبت بها ، وحصلت عليها ، دول أوروبا ، وخصوصا بعد حرب القرم ( 1854 - 1855 م ) ، من جهة ، وباضطرار السلطان العثماني إلى إصدار الفرمانات ( التنظيمات ) الإدارية والسياسية والاجتماعية ، من جهة أخرى . في المقابل ، وعلى الصعيد اليهودي ، ازدادت حدة المسألة اليهودية في أوروبا وخصوصا أوروبا الشرقية . وفي الوقت نفسه برزت الحركات القومية بين شعوب أوروبا الشرقية ( الصرب واليونان وغيرهم ) ، وراح تأثيرها يتغلغل بين اليهود ، الذين اعتقدوا أن لقضيتهم قوة إقناع أعلى من دعوى الشعوب الأخرى المطالبة بالانعتاق القومي . وفي خضم التحولات السياسية والاجتماعية الجارية في أوروبا ، وانعكاسها على التجمعات اليهودية هناك ، راحت الأفكار القومية تتنامى على حساب تراجع طروحات الاندماج كحل لمشكلات تلك التجمعات الاجتماعية . وليس مصادفة أن روّاد « الحل القومي اليهودي » في أوروبا الغربية ، جاؤوا من الأوساط التي كانت تقف فكريا على حدود الاندماج ، مثل موزس هس . أمّا في أوروبا الشرقية ، فقد جاء دعاة الصهيونية من أوساط المثقفين اليهود التقليديين ، الذين تأثروا بالنزعات القومية السلافية ، مثل كاليشر وألقلعي . وفي روسيا ، أخذت هذه الأفكار دفعة قوية من ممارسات الحكومة الروسية القيصرية تجاه اليهود في الثمانينات ، بعد اغتيال القيصر ، وتوجيه التهمة إلى اليهود بالمشاركة الفعالة في الحركات المناهضة للحكم هناك . ومع ذلك ، وحتى نهاية القرن ، وعلى الرغم من حالة التدهور التي أصابت السلطنة العثمانية ، واحتدام التنافس بين دول أوروبا ، إذ راحت كل منها تسعى لتأمين موطىء قدم لها في أراضي السلطنة ، فقد ظلت الصهيونية حركة معزولة ومحصورة في جيوب مبعثرة ، تعارضها الأغلبية من اليهود ، في غرب أوروبا وشرقها . والنشاط الاستيطاني الذي قامت به في فلسطين لم يكن يبشر بالنجاح . وبناء عليه ، ظل تيار الهجرة اليهودية الرئيسي يتجه من شرق أوروبا إلى غربها ، ومنه إلى الولايات المتحدة . وبينما يقدر عدد يهود أوروبا الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا