الياس شوفاني
319
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
لإنشاء المستعمرات الزراعية في فلسطين . وبادر كاليشر إلى النشاط العملي في تجسيد أفكاره . فخاطب عميد الأثرياء اليهود في العالم آنذاك ، روتشيلد ، في برلين ، ليشرح له نظريته الجديدة عن خلاص اليهود من دون انتظار مجيء المسيح . وقام برحلات متعددة في أوروبا ، يحث فيها اليهود على شراء الأراضي في فلسطين والاستيطان هناك . وقد نجح في إقناع بعضهم ، ممن اشترى مساحات صغيرة في ضواحي مدينة يافا ( 1866 م ) . كما دفع جمعية الأليانس الإسرائيلية العالمية ، التي تأسست في فرنسا ( 1860 م ) ، إلى إقامة المدرسة الزراعية - مكفي يسرائيل ( 1870 م ) - بالقرب من يافا ، وهي أول معهد زراعي يهودي في فلسطين . وقد تأثر بكتاباته المستوطنون من الهجرة الجماعية الأولى إلى فلسطين - « أحباء صهيون » ( حوففي تسيون ) . وتبنى المفكر اليهودي الألماني ، موزس هس ( 1812 - 1875 م ) ، أفكار الحاخام كاليشر وطورها إلى « نظرية قومية يهودية ، تقوم على الدين والعرق ، أي على الجنس اليهودي » ، وذلك في كتابه « روما والقدس » ، الذي نشر سنة 1862 م . وربط هس بين منظوره لهذه القومية المبتدعة ، وبين الأفكار الرائجة في المراكز الأوروبية الإمبريالية ، وخصوصا في فرنسا . وطعّم خطابه بالألفاظ الاشتراكية العمالية ، التي اكتسبها من صداقته مع كارل ماركس . ولكن هس انقلب على الأفكار الإصلاحية اليهودية ، وهاجم أصحابها بوصفه إياهم ضحية الأوهام العقلانية والخيرية التي اعتمدوها في البحث والتفكير . ولذلك يرى أنهم أخفقوا في إدراك المغزى القومي للديانة اليهودية ، وخصوصا لأنهم أرادوا الفصل بين عنصريها - السياسي والديني - فحاولوا في رأيه تحقيق المحال . ورأى هس أن الوضع العالمي يشجع الانصراف إلى بناء المستعمرات اليهودية ، عند قناة السويس ، وعلى ضفتي الأردن ، إذ تأتي هذه المستعمرات كخطوة أولى على طريق استرجاع الدولة اليهودية . وأفكار هس هذه أثرت في تيودور هيرتسل ( 1860 - 1904 م ) ، مؤسس الصهيونية السياسية ، والذي صاغ مضمونها ، ووضع أسس هيكليتها ، وبالتالي تجسيدها . وفي بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر ، حدث الانعطاف الحاسم في العمل الصهيوني ، إذ بدأت هجرة المستوطنين اليهود الجماعية إلى فلسطين ، وراحت أعدادها تتزايد ، وموجاتها تتوالى ، قبل قيام إسرائيل ( 1948 م ) وبعده . وعرفت الموجة الأولى ( 1882 - 1903 م ) باسم « أحباء صهيون » ، وانطلقت بين يهود روسيا ، ومن ثمّ انتشرت في دول أوروبا الشرقية . ويعتبر مؤرخو الصهيونية سنة 1882 م نقطة تحوّل في تاريخ الصهيونية ، إذ تضافرت عوامل عدة لحفز هذه الحركة ، أهمها موجة