الياس شوفاني

317

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

رقعة الأرض التي يقوم عليها اقتصاديا ، بما في ذلك سكانها الأصليين ، وإنما إلى انتزاع رقعة الأرض تلك من يد أصحابها الشرعيين واقتلاعهم منها ، لاستخدامها للأغراض التي من أجلها وجد المشروع الصهيوني . وللمشروع الصهيوني كما جرى تصوره منذ انطلاقه أبعاد ثلاثة - فلسطيني وعربي ودولي . أمّا البعد الفلسطيني فهو المتعلق ببناء « القاعدة الآمنة » للمشروع ، سواء للاستيطان أو لآلة العدوان ، في فلسطين ، قلب الوطن العربي ، والواقعة على تقاطع طرق المواصلات العالمية ، ولما لها من علاقة بالتراث اليهودي القديم . وبناء عليه ، فإذا كان لهذه القاعدة أن تقوم وتؤدي مهمتها ، فلا بدّ من تهويد فلسطين - الأرض والشعب والسوق . وهذا يعني اقتلاع شعب فلسطين من وطنه ، وقطع صلته التاريخية بأرضه . أمّا البعد الثاني فهو العربي ، المتعلق بصلب المشروع الإمبريالي العام إزاء المنطقة والهيمنة على شعوبها والسيطرة على مواردها ، ودور « الثكنة الاستيطانية » في ذلك . والبعد الدولي هو المتعلق بالصلة التاريخية بين الصهيونية العالمية والاستعمار الدولي ، إذ نشأت الأولى في حاضنة الثاني ، وظلت مرتبطة عضويا به ، ولا فكاك لها منه ، وبالتالي تسخيرها في خدمته على الصعيدين - الشرق الأوسطي والكوني . وتؤكد المصادر التاريخية أن منظّري الإمبريالية وقادة مشاريعها ، السياسيين والعسكريين ، قد سبقوا النخب اليهودية في طرح المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين . ولعل أول الصهيونيين في العصر الحديث هو نابليون بونابرت ، الذي قام بحملته على مصر وفلسطين في إطار الصراع بين فرنسا وبريطانيا بشأن التوسع الإمبريالي . وفي 20 نيسان / أبريل 1799 م ، وجه نابليون نداء إلى يهود آسيا وإفريقيا كلهم ، يحثهم فيه على السير وراء القيادة الفرنسية ، « حتى تتسنى استعادة العظمة الأصلية لبيت المقدس . » « 1 » ووعد بأنه سيعيد اليهود إلى « الأرض المقدسة » ، إذا ساعدوا قواته على إنجاز مهمتها . وفي سنة 1860 م ، والتدخل الاستعماري الغربي في بلاد الشام على أشده ، طرح إرنست لاهاران ، سكرتير نابليون الثالث ، ملك فرنسا ، ضرورة « إعادة الدولة اليهودية إلى الحياة » ، لفتح طرق عامة ، وأخرى فرعية ، أمام الحضارة الأوروبية ، وأسواق جديدة أمام منتوجاتها الصناعية . وكانت بريطانيا هي الأخرى مرتعا للأفكار الاسترجاعية ، وبالتالي لطرح الدعوات الرامية إلى توطين يهود أوروبا في فلسطين ، لما يوفره ذلك من حماية

--> ( 1 ) عبد الوهاب المسيري ، « الأيديولوجية الصهيونية » ، سلسلة عالم المعرفة ( الكويت ، 1988 ) ، ص 36 فما بعد .