الياس شوفاني
285
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
يومنا هذا . وفي مصر ، وبعد الانسحاب الفرنسي ، استطاع محمد علي أن يثبت أقدامه في السلطة ، ويتجه نحو إقامة دولة عصرية ، بل ويتحدى السلطنة العثمانية . وهذا بدوره حرك مسار « التنظيمات » في تلك السلطنة ، بهدف تعزيز وحدتها في مواجهة عوامل تفتتها القوية . والتحولات في مصر ، كما في السلطنة ، وما نجم عنها من تفاعلات داخلية ، كانت تجري نتيجة تدخل أوروبي متصاعد الوتيرة . فمن موقع الدفاع عن الذات إزاء الهجمة الأوروبية على السلطنة العثمانية ، بما فيها الوطن العربي ، تحركت القوى والتيارات . ومن خلال الاشتباك كضرورة موضوعية ، تبلورت أدوات الصراع - المادية والفكرية . ومحمد علي ( الألباني الأصل ) ، عمد إلى استعمال العروبة كوسيلة لحشد القاعدة الشعبية في المناطق التي أراد إقامة حكمه الوراثي عليها . فقد اعتمد اللغة العربية في إدارة شؤون دولته ، ما عدا الجيش . وابنه إبراهيم أعلن في دمشق عزمه على توحيد البلاد الناطقة بالضاد في دولة مستقلة . وفي خضم المواجهة الشاملة مع أوروبا ، وعلى أرضية التحولات الجارية في السلطنة في فترة التنظيمات وردات الفعل المتعددة عليها ، تبلورت ثلاثة اتجاهات فكرية في الوطن العربي ، تنطلق كلها في الأساس من موقع الدفاع عن الذات إزاء التغلغل الأوروبي ، من جهة ، وسياسة « التتريك » العثمانية ، من جهة أخرى ، والنتائج الناجمة عن ذلك اقتصاديا واجتماعيا وفكريا . ورأى الاتجاه المحافظ أن تحصين الذات إزاء المؤثرات الخارجية يتم بالتشبث بالقيم التقليدية ، واخضاع السلوك إزاء أوروبا لمقتضيات تلك القيم . في المقابل راح يتبلور ، عبر الثقافة الغربية المكتسبة من مؤسساتها ، سواء في الغرب أو الشرق ، تيار علماني ، رأى مواجهة أوروبا بسلاحها - العلم والمعرفة والانفتاح والديمقراطية . . . إلخ . وبينهما تيار ثالث - الإصلاحي - القائل بتطوير التراث ، الديني والفكري والاجتماعي ، كي يتلاءم مع متطلبات العصر ، من دون التخلي عن مرتكزاته . ومع أن هذه التيارات - المحافظ والإصلاحي والعلماني - كانت على العموم محصورة في النخب المثقفة ، ولم تكن ملك قطاعات الشعب الواسعة ، فإن الأقرب إلى الجماهير كان التيار المحافظ ، على الأقل خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر . أمّا في النصف الثاني ، فقد تضافرت عدة عوامل أخلّت بميزان القوى بين هذه التيارات . وكان تأثير التيار المحافظ قويا في ردة الفعل التي أظهرتها القطاعات الشعبية على الإصلاحات التي أدخلها إبراهيم باشا في بلاد الشام ، وخصوصا ما يتعلق منها بحقوق الأقليات الدينية . فقد رأى قادة هذا التيار في منح حقوق مدنية لغير المسلمين أنه نقض للأساس الذي يقوم عليه المجتمع والدولة ، تحت تأثير الدول الأوروبية .