الياس شوفاني

277

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

حاكما قديرا ، يعقوب باشا الذي استطاع إخضاع المنطقة للحكومة المركزية في القدس . وكان سكان جبل الخليل أيضا بؤرة تمرد على السلطة المركزية ، وساحة احتراب بين العشائر المحلية . وقد برز فيها عبد الرحمن عمرو ، في قرية دورا . وعلى عكس مصطفى أبو غوش ، قاوم عبد الرحمن عمرو إبراهيم باشا ، وكان من أول المتمردين على حكمه ( 1834 م ) . وقبل الانسحاب المصري من بلاد الشام ، وبتحريض من الإنكليز ودعمهم ، عاد عبد الرحمن وأعلن الثورة على الحكم المصري ، وقتل حاكم الخليل المصري وحاشيته . ولدى عودة العثمانيين ، عيّن « محصّلا » ( جابي ضرائب ) في المنطقة ، لكنه سرعان ما تمرد عليهم ، وأعلن استقلاله عنهم ، ورفض دفع الضرائب المستحقة عليه . فوجه قبرصلي ، حاكم القدس ، جيشا تركيا ضده ، وحاصره في الخليل ، وقبض عليه ، مع أخيه ومنافسه في الزعامة محمد عمرو وأبعده عن المنطقة ، لكنه عاد إليها بعد استدعاء قبرصلي إلى إستنبول ، وأعلن العصيان مرة أخرى . وقد تكرر ذلك عده مرات ، وحتى عندما حوصر في إذنا ( قضاء الخليل ) ، واستسلم من معه ، فإنه هرب ، وعاد مرة أخرى ، وعيّن ( 1858 م ) « ناظرا » لقضاء الخليل ، وأخيرا قبض عليه ( 1859 م ) وسجن ، ووضعت منطقته تحت الحكم العسكري العثماني . ومن المشكلات الكبيرة التي واجهت الحكم العثماني في بلاد الشام ، كانت القبائل البدوية وسلوكها المعادي للحكم المركزي ، أو لحياة الاستقرار والزراعة ، وسطوها على طرق التجارة ، واقتتالها الدائم بين بعضها البعض . وهذه المسألة بالنسبة إلى فلسطين قديمة قدم التاريخ ، إذ هي تحاذي ثلاث صحارى كبيرة ، ظلت طوال التاريخ مجال ترحال قبائل بدوية - سيناء والجزيرة العربية والبادية السورية . ومن هذه الصحارى جميعا ، ظلت موجات القبائل البدوية تضغط على حدود الأرض المعمورة فيها ، وتحاول التغلغل داخلها ، أو فرض السيادة على سكانها ، أو غزوها ونهبها ، واستباحة حقولها كمراعي لقطعانها من الجمال والمواشي ، وبالنتيجة تخريبها . ومنذ الاحتلال العثماني لبلاد الشام ( 1517 م ) ، لم تستطع السلطة فرض هيبتها على القبائل البدوية ، سواء لأن بلاد الشام لم تتمتع بأهمية كبيرة في نظر العثمانيين ، أو لأنها لم تملك القوة العسكرية الكافية في بلاد الشام لمحاربة تلك القبائل القوية وإخضاعها . وعلى العكس ، عمدت السلطة العثمانية ، التي أولت أهمية خاصة لقافلة الحج السنوية ، إلى دفع الرشاوى لمشايخ القبائل الضاربة على تلك الطريق ، لحماية القافلة ، أو على الأقل لعدم الاعتداء عليها .