الياس شوفاني
273
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
حلول وسط في أغلب الأحيان ، كذلك توقفت عمليات الإصلاح عند خط الوسط أيضا . وعلى الرغم من كل محاولات السلطة تنظيم جباية الضرائب مباشرة من السكان ، عبر موظفي الدولة ، فقد ظل الالتزام قائما في بلاد الشام ، وبقي أساسا لاستمرار زعماء محليين تولي مهمة الجباية ، وبالتالي الحفاظ على نفوذهم في مناطقهم . وبالنتيجة ، ظل هؤلاء الزعماء عقبة في طريق السياسة العثمانية الرامية إلى مركزة السلطة في أيدي جهاز الدولة الخاضع إلى إشرافها المباشر . وقد شكّل هؤلاء الزعماء شريحة اجتماعية وسيطة بين السلطة والسكان . وكذلك ، لم تحقق محاولات تنظيم التجنيد الإلزامي نجاحا كبيرا في بلاد الشام كلها . فالزعماء المحليون ، وكذلك السكان عامة ، قاوموا هذا الإجراء ، كل لأسبابه الخاصة . وعندما حاولت السلطة إجراء إحصاء للسكان ، كمقدمة لتنظيم عملية التجنيد ، قوبل الإجراء بمقاومة عنيفة . وإذ كانت يد السلطة هي العليا في المواجهة ، عمد المطلوبون للتجنيد إلى الفرار ، تحاشيا للوقوع في أيدي القوات العسكرية التي كانت تجوب المناطق ، وتسوق المجندين . وبعد محاولات عدة ، استطاعت السلطة المركزية فرض التجنيد في المدن ، ولكن ليس في الريف ، أو بين القبائل البدوية ، وخصوصا في المناطق الجبلية . ولذلك ، وبينما اهتز موقع الزعماء المحليين في المدن ، لوجود السلطة فيها ، ولتجريد زعمائها من عناصر قوتهم التقليدية ، فإن زعماء الريف لم يتأثروا كثيرا بإجراءات الحكومة ، وخصوصا في المناطق الجبلية ، أو بين القبائل البدوية . ففي المدن ، حيث تمركز الجهاز الإداري وتموضعت القوات العسكرية النظامية ، حققت التنظيمات نجاحا أكبر . وبعد أن حسم الصراع مع الزعامات المحلية لمصلحة السلطة المركزية ، أمكن وضع عدد من الأنظمة المرسومة في الفرمانات موضع التنفيذ . ولم يحدث ذلك من دون مقاومة أو عقبات . فالمدن في بلاد الشام كانت لفترات طويلة تتمتع بحكم محلي ، ولم تكن تخضع لسلطة الحكم التركي . وكثيرا ما حشد الزعماء المحليون قواهم ، على الرغم من خلافاتهم الداخلية ، لطرد هذا الحاكم ، أو تهميش دوره . وقد أنزل الحكم المصري ضربة قوية بهؤلاء الزعماء والأعيان ومرتكزات قوتهم - المادية والمعنوية . لكنهم عادوا وانتعشوا مع عودة الحكم العثماني ، وما قدمه لهم للتمرد على الحكم المصري . وقد تمت تسوية العلاقة بين هؤلاء الزعماء والحكم التركي ، وتوصل الطرفان إلى حلول وسط . فالتنظيمات قلصت صلاحيات الوالي وأعوانه من الموظفين الأتراك ، وبذلك فتحت الباب أمام الزعماء المحليين لإثبات وجودهم السلطوي . في المقابل ، فإن