الياس شوفاني
254
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
مكانه الأمير بشير الشهابي الثاني ، فأدخل البيت الشهابي في الصراعات الداخلية لإخضاعه لنفوذه وإضعافه . وفي ذروة قوته ، انتزع ولاية طرابلس ، وأخيرا حقق حلمه في ولاية دمشق أربع مرات ( 1785 و 1791 و 1798 و 1803 م ) . ولم تجد معه محاولات الباب العالي كلها لعزله ، فقد أصبح له أعوان في إستنبول ، كما أن السلطنة كانت مشغولة بالصراع مع حاكم إيران الأفغاني ، كريم خان زند الذي حاول التوسع غربا في العراق . واتخذ الجزار من مدينة عكا ، التابعة لولاية صيدا ، مقرا له . وبانتزاعه مدن الساحل كلها من جيرانه ، وضمها إلى ولايته ، انتقل مركز الثقل في بلاد الشام إلى الساحل ، فتراجع الداخل ، بما فيه دمشق ذاتها . وقد تزامن حكم الجزار في بلاد الشام مع تفاقم « المسألة الشرقية » ، وبالتالي الصراع الأوروبي - أولا ، بشأن الامتيازات والنفوذ في أراضي السلطنة العثمانية المتهاوية ، ولاحقا على اقتسامها . وفي أيامه ، وقع الحدث الأهم في العلاقة بين الشرق الأدنى وأوروبا ، منذ الحملات الصليبية قبل سبعة قرون تقريبا ، وهو حملة نابليون بونابرت على مصر ، ومنها على بلاد الشام . ونظرا إلى تمركزه على الساحل ، عقد الجزار علاقات تجارية ، وبالتالي سياسية مع أوروبا . وإزاء حملة نابليون ، توصل الجزار إلى اتفاق مع بريطانيا . فكان للأسطول البريطاني دور في صموده بعكا ، وإحباط الحصار الذي فرضه نابليون عليها . وعدا السمعة السيئة ، وما عرف عنه من عسف وبطش ، فقد ترك الجزار آثارا باقية في عكا حتى اليوم - الأسوار الضخمة والقلعة والمسجد والحمام والأسواق ، وغيرها . في إطار المسألة الشرقية ، وبالتالي العلاقات بين الشرق الأوسط وأوروبا ، والتنافس بين دول أوروبا بشأن مناطق النفوذ وموارد المواد الخام والأسواق ، وذلك بعد الثورة الفرنسية ، تعتبر حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام ( 1798 - 1801 م ) منعطفا حادا . فمعها انتقل التنافس بشأن تقسيم السلطنة من الإطار التآمري ، السياسي والدبلوماسي ، وعقد الصفقات السرية ، وتفعيل الضغوط الاقتصادية وغيرها ، واستغلال المشكلات الداخلية والتناحر بين الكيانات المتجاورة ، إلى الاحتلال المباشر . وفي هذه الفترة ، وبعد بسط نفوذها على الهند ، وتعاظم قوتها العالمية ، أصبحت بريطانيا القوة النافذة في أوروبا ، فاحتدم التناقض بينها وبين فرنسا ، التي بعد الثورة ( 1789 م ) ، راحت تطمح إلى القيام بدور مميّز في أوروبا والعالم . وبعد فشلها في التصدي لبريطانيا في أوروبا ، وعدولها عن مشروع غزو بريطانيا ، الذي أوكل أمر تنفيذه لنابليون نفسه ، تبلورت في فرنسا فكرة الحملة على مصر وبلاد الشام . وقد