الياس شوفاني

252

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الشيخ وابنيه ، أحمد وعلي اللذين تحصن كل منهما في قلعة ، ورفض الانصياع لوالده . وبدا واضحا أن نهاية الزيادنة أصبحت قريبة . في الوقت الذي كانت السلطنة مشغولة بالحرب مع روسيا ( 1768 - 1774 م ) استشرى التناحر في بلاد الشام ، وخصوصا بين والي دمشق وحاكم الجليل ، ظاهر العمر ، واستقطب القوى المحلية على تعدد أنواعها ، إلى هذا الجانب أو ذاك . وتفاقم الوضع بدخول المماليك المصريين طرفا في هذا الصراع . ولكن الحرب انتهت وخسرتها السلطنة . ووقعت معاهدة « كوتشوك ( كجك ) كاينرجي » ( 1774 م ) ، التي بموجبها تنازلت السلطنة عن جزيرة القرم لروسيا . وبعدها تفرغ الباب العالي لبلاد الشام ومصر ، وعلى رأس جدول أعماله ضبط الأوضاع فيهما ، وبداية إخضاع ظاهر العمر ، الذي كانت قوته قد ضعفت . وحاصره الأسطول العثماني ، بقيادة القبطان حسن باشا من البحر ، بينما زحف ضده جيش كبير من البر ، فأنزلا بظاهر العمر ضربة قاصمة . وقتل الشيخ خارج عكا ، هاربا مع بطانته ، بعد أن رفضت عساكره من المرتزقة الصمود في الحصار . وبمقتل ظاهر العمر ، انتهى عمليا حكم الزيادنة ، لأن أبناءه لم يكونوا مؤهلين ، لا ذاتيا ولا موضوعيا ، لتشكيل ظاهرة سلطوية قابلة للحياة ، فأجهز عليهم أحمد الجزّار ( آغا ) . ثالثا : أحمد باشا الجزار إن الفترة الصاخبة التي مرت بها بلاد الشام ، وخصوصا فلسطين ، خلال الفترة ( 1760 - 1775 م ) ، تمخضت عن بروز مملوك ( بوسني الأصل ) مغامر على مسرح الأحداث في عكا ، الآغا أحمد ، الملقب « الجزار » . فقد أدى انصراف الباب العالي إلى فرض هيبته في بلاد الشام بعد معاهدة كوتشوك كاينرجي ، إلى تصفية كل من علي بك الكبير ومملوكه المتآمر عليه ، محمد أبي الذهب ، وظاهر العمر الزيداني . وكانت الصراعات قد أرهقت القوى المحلية جميعها ، الأمر الذي نشأ عنه فراغ سياسي ، عمد الباب العالي إلى ملئه بمماليك من نمط الجزار . وكان هذا ، قبل تعيينه حاكما على عكا لقاء دوره في القضاء على ظاهر العمر ، قد تنقل كمملوك في أقاليم متعددة ، ومواقع كثيرة ، وتقلب في نشاطه العسكري بين الأطراف المحلية المتصارعة ، بما تمليه عليه مصالحه الذاتية ، وطموحه الشديد إلى السلطة ، وجشعه للمال . ومن قاعدته في عكا ، راح يوسع نفوذه ليصبح واليا على دمشق ، متمردا على الباب العالي . وأسوة بغيره من المماليك ، بدأ أحمد الجزار نشاطه في إستنبول ، ومنها انتقل