الياس شوفاني
211
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
المنهوبات من السكان المحليين ، إلّا إنهم آثروا المدن على الريف ، واشتغلوا بالتجارة والإدارة والخدمات . وفي القرن الثالث عشر ، عندما تقلصت مساحة المملكة اللاتينية ، تضاءل هذا الاستيطان إلى حد التلاشي . وبذلك ، وطوال قرنين من الوجود الفرنجي في الشرق ، ظل الريف آهلا بالسكان المحليين بصورة عامة ، وبقيت الزراعة حكرا عليهم تقريبا . وبعد الموجة الأولى من الاحتلال والمجازر والتهجير والاستيلاء على الأراضي ، استقرت الأحوال بصورة عامة ، ولكن ما لبثت الحروب أن اندلعت وراحت وتيرتها تتصاعد ، والريف يتحمل النكبات . ومع ذلك ، كانت البلاد تنتج حاجتها من المحاصيل الزراعية ، وتوفر حتى فائضا محدودا للتصدير . غير أن الوضع تغيّر في القرن الثالث عشر ، وصار اعتماد الفرنجة على أوروبا أساسا . وإذ كان السكان المحليون في المدن مواطنين من الدرجة الثانية ، فإنهم في الريف كانوا أقرب إلى الأقنان ، لكن ليس بصورة رسمية ، كما في أوروبا . لقد اكتشف الصليبيون أهمية سكان الريف ، فتركوا لهم فلاحة الأرض ، وجبوا منهم الضرائب التي وصلت إلى ثلث المنتوج . وتركوا للطوائف محاكم الأحوال الشخصية . أمّا في المدن ، فإن المحاكم المختلطة التي سيطر عليها أصحاب الكومونات ، ابتلعت المؤسسات القضائية الأخرى للسكان المحليين . سادسا : العصر الأيوبي ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب ( الملك الناصر - السلطان ) في مدينة تكريت ( العراق ) ، لعائلة كردية سنة 1138 م . ثمّ انتقل مع والده إلى بعلبك ( لبنان ) ، حيث عين قائدا عسكريا فيها أيام عماد الدين زنكي . وبرز صلاح الدين على المسرح عندما رافق عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر ( 1164 م ) . وفي سنة 1169 م ، تولى الوزارة في القاهرة بعد موت عمه . وفي سنة 1171 م ، ألغى الخلافة الفاطمية الشيعية ، وأعلن البيعة للخليفة العباسي السني المستضيء . ومنذئذ برز توتر بينه وبين نور الدين زنكي ، حسم بوفاة الأخير ، واقتسام ورثته ملكه . وبناء عليه ، كان على صلاح الدين أن يقاتلهم من أجل توحيد مصر وسورية تحت قيادته ، وذلك في سبيل تحقيق حلمه ومشروع حياته - تصفية الكيانات الصليبية في الشرق . وفي معركة حطين ( 1187 م ) حقق صلاح الدين إنجازا ضخما على هذا الصعيد ، لكنه مات سنة 1193 م ، قبل أن يستكمل مشروعه وبقي الوجود الفرنجي في الشرق قرابة قرن من الزمن بعد وفاته . وكانت معركة حطين منعطفا تاريخيا بالنسبة إلى العلاقات بين الشرق والغرب ، انقلبت فيه موازين القوى ، وتبدلت المواقع . فبالنصر الساحق ، عسكريا وسياسيا