الياس شوفاني

193

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

جرى التخلي عنه سريعا وإصلاح نتائجه . وكذلك ، فالحجاج المسيحيون إلى القدس وغيرها ، ظلوا يقدمون من دون عقبات تذكر . ويلفت النظر أن قوافل الحجاج في القرن الحادي عشر ، راحت تتخذ صيغة مغامرات دينية وتجارية وعسكرية في آن معا . وتفيد المصادر أن السلاجقة زادوا في مضايقة هؤلاء الحجاج في طريقهم إلى فلسطين عبر القسطنطينية . وفي الإمكان تشبيه هذه القوافل برحلات قريش التجارية قبل الإسلام . وكما أفاد المسلمون من الخبرات التي تراكمت لديهم في حركة الفتوح ، هكذا أفاد قادة الحملات الصليبية من الخبرات التي اكتسبت عبر قوافل الحجاج . ومنذ القدم كانت تجارة البحر الأبيض المتوسط موضوع علاقات بين الشعوب الواقعة على سواحله ، أو حروب بينها . والقسطنطينية كانت قبل الفتح العربي تهيمن على هذه التجارة ، فانتزعها العرب منها ، لكن العلاقات التجارية ظلت مستمرة . والاعتبار التجاري بين إسبانيا والهند عبر مصر ، كان من الأسباب التي دفعت الفاطميين إلى نقل عاصمتهم إلى القاهرة ، كما جعلتهم يتشبثون بالمدن الساحلية على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط . في المقابل ، تشبث البيزنطيون بأنطاكيا كمحطة أخيرة لتجارة الشرق الأقصى عبر طريق الحرير . وفي القرن الحادي عشر ، نشطت المدن الإيطالية - فينيسيا وجنوة وبيزا - التي قامت على التجارة البحرية بالاعتماد على أساطيلها ، فكانت بينها وبين الفاطميين صدامات في شمال إفريقيا وجزر البحر الأبيض المتوسط . وانخرط النورمان في هذا الصراع ، فاحتلوا صقلية . وفي سنة 1082 م عقد الإمبراطور ألكسيوس كومنينوس اتفاقا مع فينيسيا ( جمهورية سان مارك ) ، فتح أمامها المراكز البيزنطية للتجارة ، فأصبحت مصالحها حافزا قويا لها على الانخراط في الحملات الصليبية ، وخصوصا عبر أسطولها ، الذي أدّى دورا في نقل المحاربين الصليبيين إلى الشرق . أ ) الحملة الأولى لقد طلب إمبراطور بيزنطة مساعدة عسكرية هي جيش من المرتزقة للدفاع عن عاصمته . ولم يفكر في مسيحيي الشرق ، ولا في الأماكن المقدسة في فلسطين ، إذ غابت هذه المسألة عن أذهان أباطرة بيزنطة منذ زمن طويل . وجاء الرد الأوروبي غير متوقع ، حملة صليبية ، الأمر الذي أربك الإمبراطور ، طالب المساعدة ، ووضعه في موقف حرج إزاء ما يجب عمله . ففي كليرمونت ( وسط فرنسا ) عقد المجمع الشهير في تشرين الثاني / نوفمبر 1095 م ، حيث ألقى البابا البليغ أربان الثاني ، خطابا حماسيا ألهب المشاعر الدينية لجماهير غفيرة تجتاحها العواطف الدينية . وانتهى إلى