الياس شوفاني
190
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ألكسيوس كومنينوس ( 1081 - 1118 م ) الذي شعر بالخطر على عاصمته ، واقتنع بعجزه عن درئه ، فقد توجه إلى طلب المساعدة من البابا والغرب الكاثوليكي ، متذرعا بالقدس ، وإنقاذ الأمكنة المسيحية المقدسة فيها . ويلفت النظر أن ما تعرضت له القدس سابقا ، وحتى عندما أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم كنيستي القيامة والصعود ، لم يحرّك أباطرة بيزنطة لتحرير قبر السيد المسيح . وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصعوبات التي كان يلقاها الحجاج المسيحيون ، فقد ردّ عليها الأباطرة بأساليب أخرى تماما : مفاوضات وتهديد وضغوط وهدايا ومعاهدات . . إلخ . أمّا هذه المرة ، فقد أوقع الإمبراطور ألكسيوس كومنينوس - الضليع في مؤامرات البلاط البيزنطي - نفسه في الشرك الذي نصبه لغيره ، عندما حاول أن يحل مشكلاته على حساب البابا وحكام أوروبا الغربية ، فانقلب الأمر عليه . كانت الكنيسة قد انقسمت رسميا سنة 1054 م ، بعد فترة طويلة من الانقسام الفعلي إلى كنيسة شرقية ( أورثوذكسية ) ، وغربية ( كاثوليكية ) ، وبينهما عداء مستحكم . وعندما توجه ألكسيوس كومنينوس إلى طلب المساعدة من البابا أربان الثاني ، انتهز الأخير الفرصة ، التي رأى فيها مناسبة لاستعادة وحدة الكنيسة تحت الكرسي الرسولي ( الفاتيكان - روما ) . أمّا ألكسيوس ، فلم يكن يفكر بأكثر من دعم بالمقاتلين للصمود في وجه السلاجقة . ولذلك فوجىء عندما بلغه نبأ الدعوة إلى حملة صليبية ، والبدء بإعدادها . والفكرة التي دعا إليها البابا انطوت على حركة جماعية من شعوب غرب أوروبا ، تحت قيادة حكامهم ونخبة قادتهم العسكريين ، ولم تتوقف عند حدود الدفاع عن القسطنطينية ، بل تعدت ذلك إلى انتزاع القدس من أيدي المسلمين ، تحت شعار « هذه إرادة اللّه » ، وخلف راية « الصليب المقدس » . وكانت استجابة البابا لطلب النجدة من إمبراطور بيزنطة مزيجا من الواجب الديني والطموح السلطوي . فإلى جانب الشعور الديني تجاه مسيحيي الشرق وضرورة مساندتهم ، وكذلك إزاء استعادة السيطرة على الأمكنة المقدسة في الشرق - مهد المسيحية - كانت هناك رغبة جامحة لدى البابوات في تكريس سلطتهم على الكنيسة الموحدة . وكان الكرسي الرسولي ، أيام البابا غريغوريوس السابع ، قد عزّز موقعه إزاء حكام أوروبا خلال القرن الحادي عشر . وجاء بعده البابا أربان الثاني النشيط ، فعمل على تكريس الدور القيادي الذي تؤديه الكنيسة في أوروبا . وفي طلب المساعدة الذي تقدم به إمبراطور بيزنطة ، لاحت فرصة مواتية لتحقيق هذا الهدف . ورأى البابا أن اضطلاع الكنيسة الكاثوليكية الغربية بالدور المركزي في الحملات الصليبية ، سيمكنها من احتلال الموقع القيادي المرغوب ، دينيا وسياسيا ، في الشرق كما في الغرب ،