الياس شوفاني
178
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
التضييق السياسي والاقتصادي ، الأمر الذي أدّى إلى التململ ، وتحيّن الفرص للتمرد والثورة . وقد شهدت بلاد الشام ، بما فيها فلسطين ، عددا من الثورات منذ بداية العصر العباسي ، كان طابعها العام محاولات القبائل العربية استعادة موقعها في الدولة ، الذي فقدته بزوال الأمويين . لقد استطاع عبد اللّه بن علي إخضاع بلاد الشام بيد من حديد ، وبالتالي تثبيت حكم العباسيين فيها ، وإكراه الناس على بيعة أبي العباس السفاح ( 750 - 754 م ) . ولكن ما أن توفي الخليفة حتى قام في فلسطين أحد أحفاد روح بن زنباع الجذامي ، يدعو بالخلافة إلى أمير أموي ، هشام بن يزيد ، فقمعها صالح بن علي ، عامل أبي جعفر المنصور ( 754 - 775 م ) على مصر . ثمّ نشبت ثورة أخرى أيام هارون الرشيد ( 786 - 808 م ) ، قادها في جنوب فلسطين أبو النداء ( 805 م ) ، فقمعت أيضا . وفي خلافة الأمين ( 808 - 813 م ) ، نشبت ثورة السفياني في دمشق ، وامتدت إلى فلسطين . وفي خلافة المأمون ( 813 - 833 م ) اندلعت ثورة نصر بن شبث العقيلي ( 813 م ) ، ودامت 13 عاما ، قبل أن تسحق ( 825 م ) . وفي أيام المعتصم ( 833 - 841 م ) ، الذي أسقط عرب الشام من ديوان العطاء ، قامت ثورة المبرقع اليماني الفلاحية ، لأسباب سياسية واقتصادية . وهذه الثورات وغيرها في فلسطين وبلاد الشام عامة ، خلال القرن الأول من حكم العباسيين ، تشير إلى حالة التململ التي سادت هذه الولاية بعد سقوط الأمويين . وقد ألصق الكثير من هذه الثورات باسم أحد أفراد البيت الأموي ، حقيقة أو زيفا ، لما كان يتمتع به هؤلاء من ولاء بين عرب الشام . لقد عاد عرب الشام ، بعد أن استفاقوا على تدهور أوضاعهم نتيجة الحكم العباسي ، محاولين استعادة موقعهم الذي فقدوه ، ولكن من دون جدوى . فدخلت الولاية في مسار من تردّي الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية ، وساءت الحالة على تلك الصعد جميعا . وتواكب ذلك مع تراجع هيبة الخلافة في بغداد ، بعد بروز العنصر التركي العسكري ، الذي استقدمه المعتصم ، واستند إليه في حكمه . كما تزامن مع بروز نزعة الاستقلالية في الولايات البعيدة ، في الشرق كما في الغرب . وبالنسبة إلى فلسطين ، تكتسب التطورات في مصر أهمية قصوى ، أيام الطولونيين والإخشيديين ولاحقا في أيام الفاطميين . فمنذ البداية ، فقد العباسيون الأندلس ، إذ فرّ إليها صقر قريش ، الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية ، الملقب الداخل ، وأسس الخلافة الأموية المزدهرة هناك . ثمّ ما لبث الإدريسيون أن أسسوا دولتهم في المغرب ( 788 - 974 م ) ، واستقلوا عن