الياس شوفاني
165
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
فهذه الرقعة من غرب آسيا ، ذات التراث الحضاري الممتد عبر التاريخ البشري ، لم تفقد أهميتها بعد الفتح العربي ، بل على العكس . فالفتح ترك آثاره على الفاتحين ، كما على سكان البلاد الأصليين . ولا غرو ، فإن مركز الدولة الإسلامية سريعا ما انتقل إلى دمشق ، في قلب بلاد الشام . ونظرا إلى علاقة العرب التاريخية بهذه البلاد ، كما للآثار التي تركها انتزاعها عنوة من أيدي البيزنطيين على مسار الأحداث اللاحقة ، وخصوصا لناحية استمرار الصراع بين بيزنطة لقرون كثيرة ، فقد أصبح الهمّ الأول للدولة العربية - الإسلامية الناشئة حسم هذا الصراع ، وبالتالي وراثة موقع بيزنطة العالمي - حضاريا وسياسيا . وكان لهذا التحدي أثر فعّال على دور العرب في التاريخ العالمي ، كما في حضارة الجنس البشري . وبالنسبة إلى فلسطين تحديدا ، فقد أضاف الإسلام ، وبالتالي الفتح العربي ، بعدا جديدا لأهميتها الدينية . فعلاوة على موقع القدس الديني في التراثين - المسيحي واليهودي - أضفى عليها الإسلام أيضا هالة من القدسية ، باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، ومنطلق « المعراج » ، الأمر الذي نجم عنه لاحقا إقامة معالم دينية مهمة فيها : قبة الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما . وكذلك ، ففي فلسطين مقامات عدد كبير من الأولياء ، وأضرحة الصحابة الأولين ، وبعض قادة الفتح . وقد تعزز هذا الموقع في العصور اللاحقة ، الأمر الذي أدّى إلى شيوع اسم بيت المقدس بالنسبة إلى إيلياء أو أورشليم سابقا ، والقدس لاحقا ، وإطلاق كنية « الأرض المقدسة » على فلسطين كلها . وهذا الموقع الديني ظل عنصرا رئيسيا في الصراع بشأن فلسطين عبر العصور . وعلى العموم ، فإن سكان بلاد الشام ، الذين شكّل العنصر العربي الأصلي نسبة عالية بينهم ، وكذلك غيرهم من المحليين ، لم يروا في الفتح العربي تسلطا أجنبيا بالمفهوم السائد . فمنذ زمن طويل قامت بينهم وبين سكان الجزيرة شبكة واسعة من العلاقات القومية والقبلية والدينية والاقتصادية . . إلخ . وزاد في تخفيف الوطأة عليهم السلوك المتسامح ، دينيا واجتماعيا وسياسيا ، الذي سلكه الفاتحون العرب المسلمون إزاءهم ، الأمر الذي جعلهم يرحبون بهؤلاء الفاتحين . والفاتحون بدورهم منحوا السكان المحليين حرية العبادة ، كما خففوا عنهم عبء الضرائب ، وأعطوهم الأمان على أرواحهم وممتلكاتهم ومعابدهم ، ما داموا يدفعون الجزية ويعلنون الولاء لدولة الإسلام ، أي أن الفاتحين جعلوا هؤلاء السكان على ذمتهم . ومن هنا - وعلى عكس العصور السابقة - فقد ساد الوئام بين الطرفين ، ودخل الكثيرون في الإسلام . لقد كان الفتح إلى حد كبير بمثابة تحرير وانعتاق للسكان المحليين ، قوميا واجتماعيا . ولا