الياس شوفاني

160

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وفي مكة ، التي جمعت المتناقضات وهي تشهد تحوّلات حادة في مجتمعها وعلاقاتها ، ولد النبي محمد ( ص ) ، في بطن من قريش ( بني هاشم ) ، وفي عائلة كانت تتولى « سدانة الكعبة » ، وذلك « عام الفيل » ( 570 م ) بحسب الرواية . وقد نشأ وترعرع وهو يشهد هذه التحولات وما يواكبها من متغيرات في السلوك والعلاقات والقيم . فالمدينة التي كانت مركزا دينيا قديما ، صارت فضلا عن « الحرم » ، تضم سوقا تجارية ومالية ضخمة . وأهلها ، الذين ظلت الروح القبلية تسود مجتمعهم ، أصبحت لهم شبكة علاقات واسعة ، في الجزيرة وخارجها ، تتناسب وحجم تجارتهم الدولية الكبير . ومكة التي صارت تستحوذ على هذه التجارة الدولية ، كانت بالضرورة على اطلاع بما يجري بين القوتين العظميين في تلك الفترة التاريخية . وبالتأكيد ، فإن هذه الصورة لم تكن غائبة عن ذهن « رسول اللّه » ( ص ) ، وهو يباشر دعوته إلى الإسلام . ومكة هذه ، التي حجب تشبث أهلها بنمط حياتهم الآفاق الرحبة التي يفتحها الإسلام أمامهم ، أكان على الصعيد الروحي أو المادي ، رفضت دعوة الرسول ( ص ) إلى اعتناق الدين الجديد . ولمّا ثابر محمد ( ص ) على دعوته من دون هوادة ، رأى فيها أهل مكة ، بل فيه شخصيا ، خطرا يتهدد مرتكزات علاقاتهم وقيمهم - المادية والروحية . وبقدر ما ازداد احتدام التناقض معه ، رفع أولو الأمر في مكة حدة صراعهم ضده ، فاضطروه إلى مغادرة مسقط رأسه ، والهجرة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) . وفي المدينة وجد الرسول ( ص ) مرتكزا مرحليا لنشاطه الديني والسياسي ، يدير منه صراعه مع مكة لحملها على قبول الدعوة إلى الإسلام ، إذ ظل ذلك بالنسبة إليه هدفا مركزيا يوليه الأولوية . ومع أنه أعلن بيت المقدس ( القدس ) « القبلة الأولى » ، يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم ، فإن مكة لم تغب قط عن باله ، وذلك لمركزيتها في الدين الجديد - الإسلام - الذي يدعو إليه ، كما في التشكيل السياسي الذي يعمل من أجله . لأسباب دينية - إعلان بيت المقدس أولى القبلتين - وسياسية - نشر الدعوة الإسلامية بين عرب الشام والعراق - وكذلك لضرورات الصراع مع أهل مكة ، كان اهتمام الرسول ( ص ) ببلاد الشام لا يفوقه إلّا الهدف المباشر - فتح مكة ( البيت الحرام ) ، واستمالة قريش ( اللقاح ) إلى جانبه . ولتحقيق أهدافه في مكة ، اتبع محمد ( ص ) سياسة الترغيب والترهيب . فبينما عمد في « مغازيه » الأولى إلى تهديد عصب حياتها الاقتصادية - التجارة - لم يتوقف عن السعي ، سياسيا ودبلوماسيا ، لجذب أعيان قريش إلى الإسلام . وما أن حقق توازنا نسبيا للقوى مع مكة ، جرى التعبير عنه في صلح الحديبية سنة 6 ه ، حتى وجه اهتمامه شمالا في اتجاه بلاد الشام ، وأولا وقبل كل شيء ، إلى الواحات الواقعة على طريق التجارة المؤدية إليها . وهكذا جرى فتح