الياس شوفاني
157
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
فاليريان نفسه سنة 272 م ، ووقعت أسيرة في يده ، ودخل تدمر ، وخربها بعد أن نهبها ، وتشهد خرائبها القائمة حتى يومنا هذا على عظمتها . وبصورة ما ، ورثت مملكة آل جفنة ( الغسانيين ) موقع تدمر ، السياسي والتجاري ، وأقامت دولة حدودية قوية ، ولكن من دون عاصمة فخمة كتدمر . وإذ تميّز التدمريون بنشاطهم التجاري أولا ، ومن ثمّ العسكري ، فقد كان الغسانيون على العكس ، إذ كرسوا نشاطهم للصراع العسكري أولا ، واستفادوا من التحوّلات التي طرأت على طرق التجارة الدولية ، فصارت تمر عبر مناطقهم . وبينما توجه التدمريون ، كشعب تجاري ، إلى بناء مدينة فخمة في قلب الصحراء ، تضم مؤسسات تخدم الوظيفة المركزية لها ، فإن الغسانيين ظلوا أقرب إلى البداوة ، وبقيت عاصمتهم عبارة عن معسكر متنقل على أطراف البادية ، إلّا في فترات قصيرة حيث استقرت في الجابية ( الجولان ) وجلّق ( دمشق ) . ومن نواح متعددة ، شكّل ملك الغساسنة في بلاد الشام ، وخصومهم الألداء ، المناذرة ( اللخميين ) ، في الحيرة على أطراف العراق ، مرحلة متقدمة في التمهيد للفتح العربي بعد ظهور الإسلام . وبنو غسان قبيلة عربية يمنية ، هاجرت من موطنها في نهاية القرن الثالث الميلادي ، ونزلت البلقاء والحوران . وهم يلقبون آل جفنة ، نسبة إلى جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ، مؤسس السلالة في بلاد الشام ، وهناك من ينسب إلى هذه السلالة أكثر من ثلاثين ملكا . وقد تنصّر الغسانيون ، واتبعوا العقيدة المونوفيزيتية ، وطرح ملوكهم أنفسهم حماة الكنيسة البرادعية ( نسبة إلى يعقوب البرادعي - المبشر النشط بهذه العقيدة في منطقة نفوذ الغسانيين ) ، الأمر الذي أدّى إلى صدامات عنيفة بينهم وبين البيزنطيين الذين تبنّوا الكنيسة الأورثوذكسية الرسمية في الإمبراطورية . وفي العقود الأخيرة من القرن الخامس الميلادي ، توثقت علاقات الغسانيين ، كحكام دولة حدودية ، مع البيزنطيين . أمّا فترة ازدهار هذه المملكة فكانت في القرن السادس الميلادي ( أيام جوستنيان ) ، وذلك في زمن الحارث الثاني ( الأعرج ) ، الذي حكم في الفترة ( 529 - 569 م ) ، ومن بعده في زمن ابنه المنذر وحفيده النعمان . وانتهى ملك آل جفنة بالفتوح العربية ، في النصف الأول من القرن السابع الميلادي . إن أثر الغساسنة في بلاد الشام يتجاوز المأثور عنهم في التراث العربي بشأن صراعهم الدموي الطويل ، كدولة حدودية متحالفة مع بيزنطة ، مع أبناء عمومتهم اللخميين في الحيرة ، حلفاء الفرس . فآثارهم المنتشرة في سورية والأردن وفلسطين تشهد على فترة من الازدهار الحضاري المادي الكبير . وكذلك ، فالأدب العربي ينضح بمآثرهم وحبهم للشعر وإكرامهم للشعراء . وخلال حكمهم الطويل ( نحو أربعة