الياس شوفاني

140

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

المتعددة في الإمبراطورية . والمسيحية اقتربت أكثر فأكثر لتشكل ذلك القاسم المشترك ، أكان على صعيد الفرد أو الجماعة . وعلى الرغم من العقبات التي واجهها التنظيم الكنسي ، خلال قرنين ، وخصوصا على صعيد التباينات - العقائدية والتنظيمية - بين الجماعة المسيحية ، فقد استطاع أن يشكل إطارا قادرا على استيعاب الجماهير الواسعة ، وتوجيه حياتها الروحية . وقد أفادت الكنيسة في بناء تنظيمها الشامل من وحدة أراضي الإمبراطورية الواسعة ، التي كانت مفتوحة أمامها من دون قيود على حرية تنقل رجالها . وباقتراب نهاية القرن الثالث الميلادي ، كانت روما ، وما بنته كله ، على وشك انهيار سريع ؛ فوضى سياسية وهجمات من الخارج وهبوط اقتصادي واضطراب اجتماعي والبحث عن ديانات غير رومانية ، تضافرت كلها لتضيق الخناق على البنية الإمبريالية إلى أقصى الحدود . وفي سنة 286 م ، برز قائد باسم ديوقلتيان ، حاول أن يضع حدا لهذا المسار ، فاستطاع إلى حد معيّن أن يوقف التدهور ، لكن المسار العام ظل مستمرا . وفي سنة 306 م مات ديوقلتيان ، وحل محله قسطنطين ، وبذلك بدأت مرحلة جديدة ، أدّت إلى انقسام الإمبراطورية إلى شطرين : شرقي ، وعاصمته القسطنطينية ( بيزنطة ) ؛ وغربي ، يتقلص ويتهاوى بفعل النشاط الجرماني ، وعاصمته روما . وراحت عصور التاريخ القديم تفسح المجال أمام العصور الوسطى ، فبرزت الإمبراطورية البيزنطية ، ومعها المسيحية ، بمنظور كوني جديد ، تحتل فيه « فلسطين السورية » ( الأرض المقدسة ) موقعا خاصا . رابعا : العصر البيزنطي يعتبر تدشين القسطنطينية ( 330 م ) عادة ، بداية التاريخ البيزنطي . وكما أرسى أغسطس ( أكتافيوس ) ، قبل ثلاثة قرون ونصف تقريبا ، أسس الإمبراطورية الرومانية بعد أن أخرجها من الفوضى التي اجتاحتها لجيل من الزمن ، هكذا فعل قسطنطين ( 306 - 337 م ) بالنسبة إلى ما صار يعرف لاحقا باسم الإمبراطورية البيزنطية ، التي أرسى قواعدها على الديانة المسيحية . ومع أن الإمبراطورية الرومانية لم تنقسم إلى شطرين - شرقي وغربي - في أيامه ، لكن المسار نحو الانفصال كان واضح المعالم . فالولايات الشرقية من الإمبراطورية كانت متقدمة على الغربية ، اقتصاديا وحضاريا وثقافيا ، بينما أخذت الغربية تتراجع تحت وطأة التأثير الجرماني على جميع الصعد . وأدرك قسطنطين ذلك ، فنقل عاصمته إلى الشرق ، إلى بيزنطة ، حيث بنى عاصمته ، ودعاها على اسمه - القسطنطينية .