المقريزي

38

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فتحضّر الأمير كرامة بعد البداوة ، وسكن حصن سلجمور من نواحي إقطاعه ، وهو على تلّ عال بغير بناء . ثم أنشأ أولاده هناك حصنا ، وما زالوا به . وكان كرامة ثقيلا على صاحب بيروت ، وذلك أيّام الفرنج ، فأراد أخذه مرارا فلم يجد إليه سبيلا . فأخذ في الحيلة عليه ، وهادن أولاده وسألهم حتى نزلوا إلى السّاحل ، وألفوا الصّيد بالطّير وغيره ، فراسلهم حتى صار يصطاد معهم ، وأكرمهم وحبّاهم وكساهم ، وما زال يستدرجهم مرّة بعد مرّة ، ثم أخرج ابنه معه وهو شاب ، وقال : قد غرمت على زواجه . ثم دعا ملوك السّاحل وأولاد كرامة الثّلاثة فأتوه ، وتأخّر أصغر أولاد كرامة مع أمّه بالحصن في عدّة قليلة . فامتلأ السّاحل بالشّواني والمدينة بالفرنج ، وتلقّوهم بالشّمع والمغاني ، فلمّا صاروا في القلعة ، وجلسوا مع الملوك ، غدر بهم وأمسكهم وأمسك غلمانهم وغرّقهم ، وركب بجموعه ليلا إلى الحصن . فانجفل الفلّاحون والحريم والصّبيان إلى الجبال والشّعرا والكهوف ، وبلغ من بالحصن أنّ أولاد كرامة الثّلاثة قد غرقوا ففتحوه . وخرجت العجوز ومعها ابنها حجّي بن كرامة - وعمره سبع سنين - ولم يبق من بنيهم سواه . فأدرك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ، وتوجّه إليه لمّا فتح صيدا وبيروت وباس رجله في ركابه . فلمس بيده رأسه وقال له : أخذنا ثأرك ، طيّب قلبك أنت مكان أبيك . وأمر له بكتابة أملاك أبيه بستين فارسا . فلمّا كانت أيّام المنصور قلاوون ، ذكر أولاد تغلب بن مسفر الشّجاعي أنّ بيد الجبليّة أملاكا عظيمة بغير استحقاق ومن جملتهم أمراء الغرب . فحملوا إلى مصر ، ورسم السّلطان بإقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لأمرائها وجندها ، فأقطعت لعشرين فارسا من طرابلس . فلمّا كانت أيّام الأشرف خليل بن قلاوون قدموا مصر ، وسألوا أن يخدموا على أملاكهم بالعدّة ، فرسم لهم بها وأن يزيدوها عشرة أرماح . فلمّا كان الرّوك النّاصري ، ونيابة الأمير تنكز بالشّام ، وولاية علاء الدّين بن سعيد كشف تلك الجهات ، رسم السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون أن يستمرّ عليهم بستين فارسا ، فاستمرّت على ذلك . ثم كان منهم الأمير ناصر الدّين الحسين بن خضر بن محمد بن حجّي بن كرامة بن بجير ابن علي ، المعروف بابن أمير الغرب ، فكثرت مكارمه وإحسانه وخدمته كلّ من يتوجّه إلى تلك النّاحية . وكانت إقامته بقرية أعبية بالجبل ، وله دار حسنة في بيروت . وتصل خدمته إلى كلّ غاد