المقريزي

35

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثانيهما ، أنّ المعلّمين لمّا أرصدوا أنفسهم لتعليم الصّبيان ابتغوا على تعليمهم جعلا ، ثم لمّا كثروا صار كلّ واحد منهم يرضى عن العمل الكثير والشّغل الطّويل بالجعل اليسير ، خوفا من أنّه إن لم يجب إلى التّعليم بما جعل له من الجعل الضّعيف أجاب صاحبه . وهم مع ذلك يطمعون في أطعمة الصّبيان فيغالبونهم عليها ويجعلهم الشّره على ضروب من التّذلّل ؛ من رضي بمثله لنفسه لم يوقّر ولم يبجّل . فكان اتّضاعهم من هذا الوجه لا من قبل تعليمهم القرآن ، فإنّ نفس التّعليم يوجب التّفضيل والتّشريف ؛ ومن احتقر معلّما لأجل تعليمه خيف عليه ، فقد بعث اللّه تعالى جبريل - عليه السّلام - ليعلّم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن وقد علّمه شديد القوى ، وما تعلّمه أوّل من تعلّمه من الأمّة إلّا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكيف يجوز لأحد أن يترفّع عن تعليمه أو يحتقر من يقصد التّعليم . النّهي عن سؤال النّاس صدقاتهم في المساجد عن عمر - رضي اللّه عنه - لا تسألوا النّاس في مساجدهم ، ولكن سلوهم في منازلهم ، فمن أعطى أعطى ومن منع منع . وعن الحسن يرفعه قال : ينادي مناد يوم القيامة : « ليقم بغيض اللّه فيقوم سؤّال المساجد » . ورأى عائذ بن عمرو رجلا يقرأ ويسأل فعلا رأسه بالسّوط ضربا حتى سبقه عدوا ثم قال : ما كنت أرى أن أبقى حتى أرى أحدا يسأل بكتاب اللّه شيئا . وكان الحسن يجلس السّؤّال يوم الجمعة عند الخطبة . وسمع مسروق رجلا يقول : أين الزّاهدون في الدّنيا الرّاغبون في الآخرة ، فقال : إنّي لأكره أن أعطي مثل هذا الرّجل . وكان سلمة إذا سئل بوجه اللّه أنف وقال : إذا لم نعط بوجه اللّه فبماذا نعطي ، وكان يقول : هي مسألة إلحاف . وقام رجل في مسجد فيه عويم بن ساعدة - أحد من شهد بدرا - فقال : إنّي أسألكم بوجه اللّه الكريم ، فقال عويم : كذبت قبّحك اللّه ، ليس بوجه اللّه الكريم سألتنا ، ولكن سألتنا بوجهك الرّقيق اللّئيم . وكره عطاء أن يسأل بوجه اللّه شيء إلّا ما كان من أمر الآخرة .