المقريزي
523
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
العشرين من شعبان - وقد فتح اللّه له مدينة عكّا عنوة بالسّيف ، وخرّب أسوارها - وكان عبوره إلى القاهرة من باب النصر وقد زيّنت القاهرة زينة عظيمة « 1 » . فعندما حاذي باب المارستان نزل إلى القبّة المنصوريّة - وقد غصّت بالقضاة والأعيان والقرّاء والمشايخ والفقهاء - فتلقّوه كلّهم بالدّعاء حتى جلس فأخذ القرّاء في القراءة ، وقام نجم الدّين محمد بن فتح الدّين محمد بن عبد اللّه ابن مهلهل بن غيّاث بن نصر - المعروف بابن العنبري الواعظ « 2 » - وصعد منبرا نصب له فجلس عليه ، وافتتح ينشد قصيدة تشتمل على ذكر الجهاد وما فيه من الأجر ، فلم يسعد فيها بحظّ ، وذلك أنّه افتتحها بقوله : [ الكامل ] زر والديك وقف على قبريهما * فكأنّي بك قد نقلت إليهما « a » وكان السّلطان عنده ذكاء وفهم لمعاني الشّعر « a » ، فعندما سمع الأشرف هذا البيت تطيّر منه ، ونهض قائما وهو يسبّ الأمير بيدرا نائب السّلطنة لشدّة حنقه ، وقال له « b » : ما وجد هذا شيئا يقوله سوى هذا البيت ! فأخذ بيدرا في تسكين حنقه والاعتذار له عن ابن العنبري بأنّه قد انفرد في هذا الوقت بحسن الوعظ ، ولا نظير له فيه ، إلّا أنّه لم يرزق سعادة في هذا الوقت « 1 » . فلم يصغ السّلطان إلى قوله وسار ، فانفضّ المجلس على غير شيء ، وصعد السّلطان إلى قلعة الجبل . ثم بعد أيّام سأل السّلطان عن وقف المارستان ، وأحبّ أن يجدّد له وقفا من بلاد عكّا التي افتتحها بسيفه ، فاستدعى السّلطان « b » القضاة ، وشاورهم فيما همّ به من ذلك . فرغّبوه فيه ، وحثّوه على المبادرة إليه . فعيّن أربع ضياع من ضياع عكّا وصور ليقفها على مصالح المدرسة والقبّة المنصوريّة ، وما تحتاج إليه من ثمن زيت وشمع ومصابيح وبسط وكلفة السّاقية ، وعلى خمسين مقرئا يرتّبون لقراءة القرآن الكريم بالقبّة ، وإمام راتب يصلّي بالناس الصّلوات الخمس في محراب القبّة ، وستّة خدّام يقيمون بالقبّة ، وهي : الكابرة ، وتلّ الشّيوخ ، وكردانة وضواحيها من عكّا ، ومن ساحل صور معركة وصدفين - وكتب بذلك كتاب وقف ، وجعل النظر في ذلك لوزيره الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس .
--> ( a - a ) إضافة من المسوّدة . ( b ) ساقطة من بولاق . ( 1 ) المقريزي : السلوك 1 : 764 ؛ العيني : عقد الجمان 3 : 56 - 62 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 8 : 5 . ( 2 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « ابن العنبري هذا أخذ الوعظ عن الشّيخ عزّ الدّين عبد السّلام بن غانم المقدسي ، وكان صوته عاليا طربا ورزق حظّا من ذلك ، ومات بالقاهرة في سادس شعبان سنة تسع وسبع مائة » .