المقريزي

1069

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الأساس . فحدق الناس بالنظر إليه ، ولم يدروا ما خبره ، وافترقوا في أمره ، فقائل : هذا مجنون ، وقائل : هذه إشارة لشيء . فلمّا خرج الخطيب أمسك عن الصّياح ، وطلب بعد انقضاء الصّلاة فلم يوجد ، وخرج الناس إلى باب الجامع ، فرأوا النهّابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى وغير ذلك من النهوب ، فسألوا عن الخبر ، فقيل قد نادى السّلطان بخراب الكنائس ، فظنّ الناس الأمر كما قيل ، حتى تبيّن بعد قليل أنّ هذا الأمر إنّما كان من غير أمر السّلطان . وكان الذي هدم في هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة : كنيسة بحارة الرّوم ، وكنيسة بالبندقانيين ، وكنيستان بحارة زويلة . وفي يوم الأحد الثّالث من يوم الجمعة - الكائن فيه هدم كنائس القاهرة ومصر - ورد الخبر من الأمير بدر الدّين بيلبك المحسني ، والي الإسكندرية ، بأنّه لمّا كان يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بعد صلاة الجمعة ، وقع في الناس هرج ، وخرجوا من الجامع وقد وقع الصّياح : هدمت الكنائس . فركب المملوك من فوره ، فوجد الكنائس قد صارت كوما ، وعدّتها أربع كنائس ، وأنّ بطاقة وقعت من والي البحيرة : بأنّ كنيستين في مدينة دمنهور هدمتا والناس في صلاة الجمعة من هذا اليوم ، فكثر التّعجّب من ذلك . إلى أن ورد في يوم الجمعة سادس عشرة الخبر ، من مدينة قوص ، بأنّ الناس عندما فرغوا من صلاة الجمعة في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر ، قام رجل من الفقراء وقال : « يا فقراء اخرجوا إلى هدم الكنائس » . وخرج في جمع من الناس ، فوجدوا الهدم قد وقع في الكنائس ، فهدمت ستّ كنائس كانت بقوص وما حولها في ساعة واحدة . وتواتر الخبر من الوجه القبلي والوجه البحري بكثرة ما هدم في هذا اليوم ، وقت صلاة الجمعة وما بعدها ، من الكنائس والأديرة في جميع إقليم مصر كلّه ما بين قوص والإسكندرية ودمياط . فاشتدّ حنق السّلطان على العامّة خوفا من فساد الحال ، وأخذ الأمراء في تسكين غضبه ، وقالوا : هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله ، ولو أراد السّلطان وقوع ذلك على هذه الصّورة لما قدر عليه ، وما هذا إلّا بأمر اللّه سبحانه وبقدره لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم ، ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم . هذا والعامّة بالقاهرة ومصر قد اشتدّ خوفهم من السّلطان ، لما كان يبلغهم عنه من التّهديد لهم بالقتل ، ففرّ عدّة من الأوباش والغوغاء ، وأخذ القاضي / فخر الدّين ، ناظر الجيش ، في ترجيع السّلطان عن الفتك بالعامّة وسياسة الحال معه ، وأخذ كريم الدّين الكبير - ناظر الخاصّ - يغريه بهم إلى أن أخرجه السّلطان إلى الإسكندرية بسبب تحصيل المال ، وكشف الكنائس التي خربت بها .