المقريزي

1022

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم إنّهم يختلفون في العبارة عنه : فمنهم من يزعم أنّ القديم جوهر واحد يجمعه ثلاثة أقانيم - كل أقنوم منها على جوهر خاصّ - فأحد هذه الأقانيم أب واحد غير مولود ، والثّالث روح فائضة منبثقة بين الأب والابن ، وأنّ الابن لم يزل مولودا من الأب ، وأنّ الأب لم يزل والدا للابن ، لا على جهة النكاح والتّناسل ، لكن على جهة تولّد ضياء الشّمس من ذات الشّمس ، وتولّد حرّ النار من ذات النار . ومنهم من يزعم أنّ معنى قولهم أنّ الإله ثلاثة أقانيم ، أنّها ذات لها حياة ونطق : فالحياة هي روح القدس ، والنطق هو العلم والحكمة ، والنطق والعلم والحكمة والكلمة عبارة عن الابن ، كما يقال الشّمس وضياؤها والنار وحرّها ، فهو عبارة عن ثلاثة أشياء ترجع إلى أصل واحد . ومنهم من يزعم أنّه لا يصحّ له أن يثبت اللّه فاعلا حكيما ، إلّا أنّه يثبته حيّا ناطقا . ومعنى الناطق عندهم العالم المميّز ، لا الذي يخرج الصّوت بالحروف المركّبة ، ومعنى الحيّ عندهم من له حياة بها يكون حيّا ، ومعنى العالم من له علم به يكون عالما ؛ قالوا : فذاته وعلمه وحياته ثلاثة أشياء والأصل واحد . فالذّات هي العلّة للاثنين اللذين هما العلم والحياة ، والاثنان هما المعلولان للعلّة . ومنهم من يتنزّه عن لفظ العلّة والمعلول في صفة القديم ، ويقول : أب وابن ، ووالدة وروح ، وحياة وعلم ، وحكمة ونطق . قالوا : والابن اتّحد بإنسان مخلوق ، فصار هو وما اتّحد به مسيحا واحدا ، وإنّ المسيح هو إله العباد وربّهم . ثم اختلفوا في صفة الاتّحاد . فزعم بعضهم أنّه وقع بين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي اتحاد فصارا مسيحا واحدا ، ولم يخرج الاتّحاد كلّ واحد منهما عن جوهريته وعنصره ، وأنّ المسيح إله معبود ، وأنّه ابن مريم الذي حملته وولدته ، وأنّه قتل وصلب . وزعم قوم أنّ المسيح بعد الاتّحاد جوهران أحدهما لاهوتي ، والآخر ناسوتي ، وأنّ القتل والصّلب وقعا به من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وأنّ مريم حملت المسيح وولدته من جهة ناسوته ، وهذا قول النسطوريّة . ثم يقولون : إنّ المسيح بكماله / إله معبود ، وإنّه ابن اللّه ؛ تعالى اللّه عن قولهم . وزعم قوم أنّ الاتّحاد وقع بين جوهرين : لاهوتي ، وناسوتي ، فالجوهر اللّاهوتي بسيط غير منقسم ولا متجزئ . وزعم قوم أنّ الاتّحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إيّاه . ومنهم