المقريزي
1020
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فيها . فاختفوا في بيوتهم « 1 » ، ولم يتجاسروا على المشي بين الناس ، فنودي المنع من التّعرّض لأذاهم . فأخذت العامّة في تتبّع عوراتهم ، وما علّوه من دورهم على بناء المسلمين فهدموه ، واشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم ؛ حتى إنّهم فقدوا من الطرقات مدّة ، فلم ير منهم ولا من اليهود أحد . فرفع المسلمون قصّة ، قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب ، تتضمّن أنّ النصارى قد استجدّوا عمارات في كنائسهم ، ووسّعوها . هذا وقد اجتمع بالقلعة عالم عظيم ، واستغاثوا بالسّلطان / من النصارى ، فرسم بركوب والي القاهرة ، وكشفه على ذلك . فلم تتمهّل العامّة ومرّت بسرعة ، فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السّباع ، وكنيسة بطريق مصر للأسري ، وكنيسة الفهّادين بالجوّانية من القاهرة ، ودير نهيا من الجيزة ، وكنيسة بناحية بولاق التّكروري ، ونهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك - وكانت كثيرة - وأخذوا أخشابها ورخامها ، وهجموا كنائس مصر والقاهرة ، ولم يبق إلّا أن يخرّبوا كنيسة البندقانيين بالقاهرة ، فركب الوالي ومنعهم منها ، واشتدّت العامّة ، وعجز الحكّام عن كفّهم . وكان قد كتب إلى جميع أعمال مصر وبلاد الشّام أن لا يستخدم يهودي ولا نصراني ولو أسلم ، وأنّه من أسلم منهم لا يمكّن من العبور إلى بيته ولا من معاشرة أهله إلّا أن يسلموا ، وأن يلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد والجوامع لشهود الصّلوات الخمس والجمع ، وأنّ من مات من أهل الذّمّة يتولّى المسلمون قسمة تركته على ورثته إن كان له وارث ، وإلّا فهي لبيت المال ، وكان يصلي ذلك البطرك . وكتب بذلك مرسوم قرئ على الأمراء ، ثم نزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشرين جمادى الآخرة بجوامع القاهرة ومصر ، فكان يوما مشهودا « 2 » . ثم أحضر في أخريات شهر رجب ، من كنيسة شبرا بعد ما هدمت ، أصبع الشّهيد - الذي كان يلقى في النيل حتى يزيد بزعمهم - وهو في صندوق . فأحرق بين يدي السّلطان بالميدان من قلعة الجبل ، وذرّي رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له « 3 » .
--> ( 1 ) انظر عن أماكن تجمع أهل الذّمّة - وعلى الأخصّ النصارى - في القاهرة في العصر الإسلامي ، دراسة دوريس بهرن أبو سيف Behrens - Abouseif , D . , « Locations of Non - Muslim Quarters in Medieval Cairo » , An . Isl . XXII ( 1986 ) , pp . 117 - 32 . ( 2 ) راجع ، المقريزي : السلوك 2 : 921 - 927 ، نصّا أكثر تفصيلا ، وأورد القلقشندي نصّ المرسوم الذي أصدره السّلطان الملك الصّالح صالح باعتماد اليهود والنصارى والسّامرة حكم عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه . ( صبح الأعشى 13 : 378 - 387 ) . ( 3 ) انظر عن عيد الشهيد وإلغائه ، فيما تقدم 1 : 183 - 185 .