المقريزي
1014
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وفي أيّامه أخذ الوزير الأسعد شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي الجوالي من النصارى مضاعفة « 1 » . وفي أيّام [ الملك المظفّر قطز ] « a » ثارت عوامّ دمشق ، وخرّبت كنيسة مريم بدمشق بعد إحراقها ونهب ما فيها ، وقتل جماعة من النصارى بدمشق ، ونهب دورهم وخرابها في سنة ثمان وخمسين وستّ مائة ، بعد وقعة عين جالوت وهزيمة المغل . فلمّا دخل السّلطان الملك المظفّر قطز إلى دمشق ، قرّر على النصارى بها مائة ألف وخمسين ألف درهم ، جمعوها من بينهم ، وحملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدّين أقطاي المستعرب أتابك العسكر « 2 » . واقعة النصارى وفي سنة اثنتين وتسعين « b » وستّ مائة ، كانت « واقعة النصارى » . ومن خبرها أنّ الأمير سنجر الشّجاعي كانت حرمته وافرة في أيّام الملك المنصور قلاوون ، فكان النصارى يركبون الحمير بزنانير في أوساطهم ، ولا يجسر نصرانيّ يحدّث مسلما وهو راكب ، وإذا مشى فبذلّة ، ولا يقدر أحد منهم يلبس ثوبا مصقولا . فلمّا مات الملك المنصور ، وتسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل ، خدم الكتّاب النصارى عند الأمراء الخاصّكيّة ، وقوّوا نفوسهم على المسلمين ، وترفّعوا في ملابسهم وهيئاتهم . وكان منهم كاتب عند خاصّكي يعرف بعين الغزال ، فصدف يوما في طريق مصر سمسار شونة مخدومه ، فنزل السّمسار عن دابّته ، وقبّل رجل الكاتب فأخذ يسبّه ، ويهدّده على مال قد تأخّر عليه من ثمن غلّة الأمير ، وهو يترفّق له ويعتذر ، فلا يزيده ذلك عليه إلّا غلظة . وأمر غلامه فنزل ، وكتّف السّمسار ، ومضى به - والناس تجتمع عليه - حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون ، ومعه عالم كبير ، وما منهم إلّا من يسأله أن يخلّي عن السّمسار ، وهو يمتنع عليهم ، فتكاثروا عليه ، وألقوه عن حماره ، وأطلقوا السّمسار وكان قد قرب من بيت أستاذه ، فبعث غلامه لينجده بمن فيه ، فأتاه بطائفة من غلمان الأمير وأوجاقيته ، فخلّصوه من الناس ، وشرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم . فصاحوا عليهم ما يحلّ ، ومرّوا مسرعين إلى أن وقفوا تحت القلعة ، واستغاثوا :
--> ( a ) في النسخ : وفي أيّامه ، والزيادة من المكين بن العميد . ( b ) كذا بالنسخ وهو خطأ صوابه ما أثبته اعتمادا على نص العيني . ( 1 ) المكين بن العميد : أخبار الأيوبيين 165 . ( 2 ) نفسه 175 - 176 ؛ وتاريخ المسلمين 169 .