المقريزي

987

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وفي أيّامه كان « المجمع الثّالث من مجامع النصارى » ، بسبب نسطورس بطرك قسطنطين ، فإنّه منع أن تكون مريم أمّ عيسى ، وقال : إنّما ولدت مريم إنسانا اتّحد بمشيئة الإله - يعني عيسى - فصار الاتّحاد بالمشيئة خاصّة لا بالذات ، وإنّ إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة والكرامة . وقال : إنّ المسيح حلّ فيه الابن الأزلي ، وإنّي أعبده لأنّ الإله حلّ فيه ، وإنّه جوهران وأقنومان ومشيئة واحدة . وقال في خطبته يوم الميلاد : إنّ مريم ولدت إنسانا ، وأنا لا أعتقد في ابن شهرين وثلاثة الإلهية ، ولا أسجد له سجودي للإله . وكان هذا هو اعتقاد تادروس وديوادارس الأسقفين ، وكان من قولهما : إنّ المولود من مريم هو المسيح ، والمولود من الأب هو الابن الأزلي ، وإنّه حلّ في المسيح فسمّي ابن اللّه بالموهبة والكرامة ، وإنّ الاتّحاد بالمشيئة والإرادة ، وأثبتوا للّه - تعالى عن قولهم - ولدين : أحدهما بالجوهر ، والآخر بالنعمة . فلمّا بلغ كرلّص بطرك الإسكندرية مقال نسطورس ، كتب إليه يرجعه عنها ، فلم يرجع . فكتب إلى إكليمس بطرك روميّة ، وإلى يوحنّا بطرك أنطاكية ، وإلى يوناليوس أسقف القدس ، يعرّفهم بذلك . فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته ، فلم يرجع . فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة إفسس . فاجتمع بها مائتا أسقف ، ولم يحضر يوحنّا بطرك أنطاكية ، وامتنع نسطورس من المجيء إليهم بعد ما كرّروا الإرسال في طلبه غير مرّة ، فنظروا في مقالته ، وحرموه ونفوه . فحضر بعد ذلك يوحنّا ، فعزّ عليه فصل الأمر قبل قدومه ، وانتصر لنسطورس ، وقال : قد حرموه بغير حقّ « 1 » . وتفرّقوا من إفسس على شرّ ، ثم اصطلحوا ، وكتب المشرقيّون صحيفة بأمانتهم وبحرمان نسطورس ، وبعثوا بها إلى كرلّص . فقبلها ، وكتب إليهم بأنّ أمانته على ما كتبوا . فكان بين المجمع الثّاني وبين هذا المجمع خمسون - وقيل خمس وخمسون - سنة . وأمّا نسطورس فإنّه نفي إلى صعيد مصر ، فنزل مدينة إخميم ، وأقام بها سبع سنين ، ومات فدفن بها . وظهرت مقالته ، فقبلها برصوما أسقف نصيبين ، ودان بها نصارى أرض فارس والعراق والموصل والجزيرة إلى الفرات ، وعرفوا إلى اليوم ب « النسطوريّة » « 2 » .

--> ( 1 ) راجع عن مجمع إفسس الذي عقد سنة 431 م ، ساويرس بن المقفع : كتاب المجامع 166 - 168 ؛ . tra EC , dranraB . W eilseL , 707 . p , I fo licnuoC , susehpE . tra muitnazyB fo yranoitciD drofxO ehT Ephesus , First Council of III , pp . 959 - 60 . ( 2 ) ابن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 155 ، 156 - 158 ، وانظر كذلك الشهرستاني : الملل والنحل 1 : 205 - 206 ، Holmberg , B . , El 2 art . Nasturiyyun VII , , pp . 1032 - 35 وانظر ردّ سعيد بن البطريق على النسطوريين في التاريخ المجموع 1 : 159 - 176 .