المقريزي
981
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
تسعة أشهر ، بل مرّ بأحشائها كمرور الماء بالميزاب . وهذا قول إليان ومن تبعه . ومنهم من قال : المسيح بشر مخلوق ، وإنّ ابتداء الابن من مريم ، ثم إنّه اصطفي فصحبته النعمة الإلهية بالمحبّة والمشيئة ، ولذلك سمّي ابن اللّه - تعالى عن ذلك - ومع ذلك فاللّه واحد قيّوم ، وأنكر هؤلاء الكلمة والرّوح فلم يؤمنوا بهما . وهذا قول بولص السّيمساطي بطرك أنطاكية وأصحابه . ومنهم من قال : الآلهة ثلاثة : صالح ، وطالح ، وعدل بينهما ؛ وهذا قول مرقيون وأتباعه . ومنهم من قال : المسيح وأمّه إلهان من دون اللّه . وهذا قول المرايمة من فرق النصارى « 1 » . ومنهم من قال : بل اللّه خلق الابن - وهو الكلمة في الأزل - كما خلق الملائكة روحا طاهرة مقدّسة بسيطة مجرّدة عن المادّة ، ثم خلق المسيح في آخر الزّمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة ، فاتّحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح ، فصارا واحدا . ومنهم من قال : الابن مولود من الأب قبل كلّ الدّهور غير مخلوق ، وهو جوهر من جوهره ونور من نوره ، وإنّ الابن اتّحد بالإنسان المأخوذ من مريم ، فصارا واحدا وهو المسيح . وهذا قول الثلاث مائة وثمانية عشر . فتحيّر قسطنطين في اختلافهم ، وكثر تعجّبه من ذلك ، وأمر بهم فأنزلوا في أماكن ، وأجرى لهم الأرزاق ، وأمرهم أن يتناظروا حتى يتبيّن له صوابهم من خطئهم . فثبت الثلاث مائة وثمانية عشر على قولهم المذكور ، واختلف باقيهم . فمال قسطنطين إلى قول الأكثر ، وأعرض عمّا سواه ، وأقبل على الثلاث مائة وثمانية عشر ، وأمر لهم بكراسي ، وأجلسهم عليها ، ودفع إليهم سيفه وخاتمه ، وبسط أيديهم في جميع مملكته . فباركوا عليه ، ووضعوا له كتاب « قوانين الملوك وقوانين الكنيسة » ، وفيه ما يتعلّق بالمحاكمات والمعاملات والمناكحات ، وكتبوا بذلك إلى سائر الممالك « 2 » . وكان رئيس هذا المجمع : الإسكندروس بطرك « 3 » الإسكندرية ، وإسطارس بطرك أنطاكية ،
--> ( 1 ) إلى هنا يتّفق مع نصّ سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 125 - 126 . ( 2 ) النصّ عند سعيد بن البطريق : « ووضعوا له أربعين كتابا فيها السّنن والشّرائع ، منها ما يصلح للملك أن يعملها ويعمل بها ، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا بما فيها » . ( التاريخ المجموع 127 ) . ( 3 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « أصل هذه الكلمة بطريراك ، وكانت تقال باللغة الرومية : أرسياروس ومعناها هنا : رئيس الآباء ، ثم حوّلت من اللغة الرومية إلى اللغة القبطية فقيل : بطريرارك ، ثم تلاعب بها العرب » . أقول : وعند القلقشندي : « البطاركة جمع بطرك ، وهي كلمة يونانية مركبّة من لفظين أحدهما : بطر ومعناه [ بياض بالأصول ] والثانية : يرك ومعناها [ بياض بالأصول ] . ورأيت في ترسّل العلاء بن الموصلايا ، كاتب القائم بأمر اللّه -