المقريزي

968

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ما يحتاج إليه ، والكاتب قائم بين يديه يكتب ما يقول ، ثم يلتفت « القاطر » إلى أهل الصّناعات ويخرجهم إلى دار الحكمة ، فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم ، ثم يؤرّخ ما جرى في ذلك اليوم في صحيفة ، وتخزّن في خزائن الملك « 1 » . وكان الملك إذا همّه أمر ، جمع الكهّان خارج مدينة منف - وقد اصطفّ الناس لهم بشارع المدينة - ثم يدخل الكهّان ركبانا على قدر مراتبهم والطبل بين أيديهم ، وما منهم إلّا من أظهر أعجوبة قد عملها : فمنهم من يعلو وجهه نور كهيئة نور الشّمس لا يقدر أحد على النظر إليه ، ومنهم من على بدنه جواهر مختلفة الألوان قد نسجت على ثوب ، ومنهم من يتوشّح بحيّات عظيمة ، ومنهم من يعقد فوقه قبّة من نور ، إلى غير ذلك من بديع أعمالهم . ويصيرون كذلك إلى حضرة الملك ، فيخبرهم بما نزل به ، فيجيلون رأيهم فيه حتى يتّفقوا على ما يصرّفونه به « 2 » . وهذا - أعزّك اللّه - من خبرهم لمّا كان الملك فيهم . فلمّا استولت العماليق على ملك مصر ، وملكتها الفراعنة ، ثم تداولتها من بعدهم أجناس أخر ، تناقصت علوم القبط شيئا بعد شيء إلى أن تنصّروا ، فغادروا عوايد أهل الشّرك ، واتّبعوا ما أمروا به من دين النصرانيّة ، كما ستقف عليه تلو هذا إن شاء اللّه تعالى . ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانيّة « 3 » اعلم أنّ النصارى ، أتباع عيسى نبي اللّه ابن مريم - عليه السّلام - سمّوا نصارى لأنّهم ينتسبون إلى قرية الناصرة من / جبل الجليل - بالجيم - ويعرف هذا الجبل بجبل كنعان ، وهو الآن في زمننا من جملة معاملة صفد « 4 » .

--> ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 41 . ( 2 ) نفسه 15 : 41 . ( 3 ) من هنا وحتى صفحة فيما يلي ، وكذلك خبر كنيسة الزّهري فيما يلي ، نشرة هنريكو جوزيف ويتزر مع ترجمة لاتينية سنة 1828 م بعنوان : Wetzer , H . J . , Taki - eddini Makririi Historia Coptorum Christianorum in Aegypto Arabice , Solisbaci 1828 . L 2 ( 4 ) المسعودي : مروج الذهب 1 : 70 - 71 ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 271 ، الذي أضاف إلى التفسير الذي أورده المقريزي ، أنّها أخذا من قول المسيح - عليه السّلام - للحواريين : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ * وقول الحواريين : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ * [ الآية 52 سورة آل عمران ، والآية 14 سورة الصّفّ ] .