المقريزي
957
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
اليونان ، وخرج يريد غزو الفرس ، فمرّ على القدس ، وخرج منه يريد عمان ، فاجتاز على نابلس ، وخرج إليه كبير السّمرة بها - وهو سنبلاط السّامري - فأنزله ، وصنع له ولقوّاده وعظماء أصحابه صنيعا عظيما ، وحمل إليه أموالا جمّة وهدايا جليلة ، واستأذنه في بناء هيكل للّه على الجبل ، الذي يسمّى عندهم « طور بريك » ، فأذن له وسار عنه إلى محاربة دارا ملك الفرس . فبنى سنبلاط هيكلا شبيها بهيكل القدس ليستميل به اليهود ، وموّه عليهم بأنّ « طور بريك » هو الموضع الذي اختاره اللّه تعالى ، وذكره في التّوراة بقوله فيها « اجعل البركة على طور بريك » . وكان سنبلاط قد زوّج ابنته بكاهن من كهّان بيت المقدس يقال له منشّا ، فمقت اليهود منشّا على ذلك ، وأبعدوه وحطّوه عن مرتبته عقوبة له على مصاهرة سنبلاط . فأقام سنبلاط منشّا زوج ابنته كاهنا في هيكل طور بريك ، وأتته طوائف من اليهود وضلّوا به ، وصاروا يحجّون إلى هيكله في الأعياد ، ويقرّبون قرابينهم إليه ، ويحملون إليه نذورهم وأعشارهم ، وتركوا قدس اللّه وعدلوا عنه . فكثرت الأموال في هذا الهيكل ، وصار ضدّ البيت المقدّس ، / واستغنى كهنته وخدّامه ، وعظم أمر منشّا ، وكبرت حالته . فلم تزل هذه الطائفة تحجّ إلى « طور بريك » حتى كان زمن هورقانوس بن شمعون الكوهن ، من بني حثمتاي ، في بيت المقدس . فسار إلى بلاد السّمرة ، ونزل على مدينة نابلس ، وحصرها مدّة وأخذها عنوة ، وخرّب هيكل طور بريك إلى أساسه - وكانت مدّة عمارته مائتي سنة - وقتل من كان هناك من الكهنة . فلم تزل السّمرة بعد ذلك إلى يومنا هذا تستقبل في صلاتها - حيثما كانت من الأرض - طور بريك بجبل نابلس ، ولهم عبادات تخالف ما عليه اليهود ، ولهم كنائس في كلّ بلد تخصّهم . والسّمرة ينكرون نبوّة داود ومن تلاه من الأنبياء ، وأبوا أن يكون بعد موسى - عليه السّلام - نبيّ ، وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون - عليه السّلام - وأكثرهم يسكن في مدينة نابلس ، وهم كثير في مدائن الشّام ، ويذكر أنّهم الذين يقولون : « لا مساس » « 1 » ، ويزعمون أنّ نابلس هي بيت المقدس ، وهي مدينة يعقوب - عليه السّلام - وهناك مراعيه « 2 » .
--> ( 1 ) وهو ما جاء في الآية 97 سورة طه : قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب 1 : 66 - 67 . وأضاف المسعودي : « والأسامرة في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة - ببلاد فلسطين والأردن في قرى متفرّقة مثل القرية المعروفة بعارا - وهي بين الرّملة وطبرية - وغيرها من القرى إلى مدينة نابلس » .