المقريزي

938

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

حتى ينزل المطر ، ففعلت ما أمرها به ، وأقام عندها ، فلم ينقص الدّقيق ولا الزّيت بعد ذلك ، إلى أن مات ولدها ، وجزعت عليه ، فسأل إلياس ربّه تعالى فأحيا الولد « 1 » . وأمره اللّه أن يسير إلى آخاب « a » ملك بني إسرائيل لينزل المطر عند إخباره له بذلك ، فسار إليه ، وقال له : اجمع بني / إسرائيل وأبناء بعال . فلمّا اجتمعوا قال لهم إلياس : إلى متى هذا الضّلال ؟ إن كان الرّبّ اللّه فاعبدوه ، وإن كان بعال هو اللّه ، فارجعوا بنا إليه . وقال : ليقرّب كلّ منّا قربانا ، فأقرّب أنا للّه ، وقرّبوا أنتم لبعال ، فمن تقبّل منه قربانه ، ونزلت نار من السّماء فأكلته ، فإلهه الذي يعبد . فلمّا رضوا بذلك ، أحضروا ثورين ، واختاروا أحدهما وذبحوه ، وصاروا ينادون عليه : يال بعال ، يال بعال ، وإلياس يسخر بهم ويقول : لو رفعتم أصواتكم قليلا فلعلّ إلهكم نائم أو مشغول . وهم يصرخون ويجرحون أيديهم بالسّكاكين ودماؤهم تسيل ، فلمّا أيسوا من أن تنزل النار وتأكل قربانهم ، دعا إلياس القوم إلى نفسه ، وأقام مذبحا ، وذبح ثوره وجعله على المذبح ، وصبّ الماء فوقه ثلاث مرّات ، وجعل حول المذبح خندقا محفورا . فلم يزل يصبّ الماء فوق اللحم حتى امتلأ الخندق من الماء ، وقام يدعو اللّه - عزّ اسمه - وقال في دعائه : اللهم أظهر لهذه الجماعة أنّك الرّبّ ، وأنّي عبدك عامل بأمرك . فأنزل اللّه سبحانه نارا من السّماء أكلت القربان ، وحجارة المذبح التي كان فوقها اللحم ، وجميع الماء الذي صبّ حوله . فسجد القوم أجمعون ، وقالوا : نشهد أنّ الرّبّ اللّه ، فقال إلياس : خذوا أنبياء « b » بعال ، فأخذوا وجيء بهم ، فذبحهم كلّهم ذبحا ، وقال لآخاب « a » : انزل وكل واشرب ، فإنّ المطر نازل ، فنزل المطر على ما قال . وكان الجهد قد اشتدّ ، لانقطاع المطر مدّة ثلاث سنين وأشهر ، وغزر المطر حتى لم يستطع آخاب « a » أن ينصرف لكثرته ، فغضبت سيصيال ، امرأة آخاب « a » ، لقتل أنبياء « b » بعال ، وحلفت بآلهتها لتجعلن روح إلياس عوضهم « 2 » . ففزع إلياس ، وخرج إلى المفاوز وقد اغتمّ غمّا شديدا ، فأرسل اللّه إليه ملكا معه خبز ولحم وماء ، فأكل وشرب ، وقوّاه اللّه حتى مكث بعد هذه الأكلة

--> ( a ) بولاق : أحؤب . ( b ) بولاق : أبناء . ( 1 ) سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 57 ، ونشرة Breydy 20 . ( 2 ) نفسه 1 : 57 - 58 ، نفسه 21 - 22 .