المقريزي

927

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

حكّموه ورضوا بحكمه ، أقام نفسه ملكا عليهم . وأنكر قوم هذا ، وقالوا : كان القوم أدهى من أن يقلّدوا ملكهم من هذه سبيله . فلمّا جلس في الملك اختلف الناس عليه ، فبذل لهم الأموال ، وقتل من خالفه بمن أطاعه حتى اعتدل أمره ، ورتّب المراتب ، وشيّد الأعمال ، وبنى المدن ، وخندق الخنادق ، وبنى بناحية العريش حصنا ، وكذلك على جميع حدود مصر ، واستخلف هامان - وكان يقرب منه في نسبه - وأثار الكنوز ، وصرفها في بناء المدائن والعمارات ، وحفر خليج سردوس وغيره ، وبلغ الخراج بمصر في زمنه سبعة وتسعين ألف ألف دينار ، بالدّينار الفرعوني ، وهو ثلاثة مثاقيل « 1 » . وفرعون هو أوّل من عرّف العرفاء على الناس . وكان ممّن صحبه من بني إسرائيل رجل يقال له إمري - وهو الذي يقال له بالعبرانية عمرام وبالعربية عمران - بن قاهث بن لاوي ، وكان قدم مصر مع يعقوب - عليه السّلام - فجعله حرسا لقصره يتولّى حفظه وعنده مفاتيحه وإغلاقه بالليل . وكان فرعون قد رأى في كهانته ونجومه أنّه يجري هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين ، فمنعهم من المناكحة ثلاث سنين التي رأى أنّ ذلك المولود يولد فيها . فأتت امرأة إمري إليه في بعض الليالي بشيء قد أصلحته له ، فواقعها ، فاشتملت منه على هارون ، وولدته لثلاث وسبعين من عمره ، في سنة سبع وعشرين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر ، ثم أتته مرّة أخرى ، فحملت بموسى لثمانين سنة من عمره « 2 » . ورأى فرعون في نجومه أنّه قد حمل بذلك المولود ، فأمر بذبح الذّكران من بني إسرائيل ، وتقدّم إلى القوابل بذلك ، فولد موسى - عليه السّلام - في سنة ثلاثين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر ، وفي سنة أربع وعشرين وأربع مائة لولادة إبراهيم الخليل - عليه السّلام - ولمضيّ ألف وخمس مائة وستّ سنين من الطوفان . وكان من أمره ما قصّه اللّه سبحانه من قذف أمّه له في التّابوت ، فألقاه النيل إلى تحت قصر الملك ، وقد أرصدت أمّه أخته على بعد لتنظر من يلتقطه فجاءت ابنة / فرعون إلى البحر مع جواريها ، فرأته واستخرجته من التابوت ، فرحمته وقالت : هذا من العبرانيين من لنا بظئر « 3 » ترضعه ؟ فقالت لها أخته : أنا آتيك بها . وجاءت بأمّه ، فاسترضعتها له ابنة فرعون إلى أن

--> ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 136 . ( 2 ) نفسه 15 : 137 ، وكذلك 13 : 178 - 179 ؛ التوراة ، سفر الخروج 1 / 15 - 22 . ( 3 ) الظّئر . المرضعة لغير ولدها . ( الفيروزآبادي : القاموس المحيط 555 ) .