المقريزي
822
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وقدم ابن أخيه إلى هذه البلاد - وهو زين الدّين - فأكرم وأنعم عليه بإمرة ، ثم تركها وانقطع في قرية بالشّام - تعرف ببيت فار - على هيئة الملوك : من اقتناء الخيول المسوّمة والمماليك والجواري والملابس ، وعمل الأسمطة الملوكية . فافتتنت به بعض نساء الطائفة القيمريّة ، وبالغت في تعظيمه ، وبذلت له أموالا عظيمة ، وحاشيتها تلومها فيه ، فلا تصغي إلى قولهم . فاحتالوا حتى أوقفوها عليه ، وهو عاكف على المنكرات ، فما زادها ذلك إلّا ضلالا ، وقالت : أنتم تنكرون هذا عليه ، إنّما الشّيخ يتدلّل على ربّه . وأتاه الأمير الكبير علم الدّين سنجر الدّوادار ومعه الشّهاب محمود لتحليفه في أوّل دولة الأشرفية خليل بن قلاوون ، إلى قريته . فإذا هو كالملك في قلعته : للتّجمّل الظّاهر والحشمة الزّائدة ، والفرش الأطلس ، وآنية الذّهب والفضّة ، والنضار الصّيني وأشياء تفوت العدّ إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان ، والأطعمة المنوّعة . فلمّا دخلا عليه لم يحتفل بهما ، وقبّل الأمير سنجر يده وهو جالس لم يقم ، وبقي قائما قدّامه يحدّثه ، وزين الدّين يسأله ساعة ، ثم أمره أن يجلس ، فجلس على ركبتيه متأدّبا بين يديه ، فلمّا حلّفاه ، / وأنعم عليهما بما يقارب خمسة عشر ألف درهم . وتخلّف من طائفة الشّيخ عزّ الدّين أميران ، وأنعم عليه بإمرة دمشق ، ثم نقل إلى إمرة بصفد ، ثم أعيد إلى دمشق ، وترك الإمرة وانقطع بالمزّة ، وتردّد إليه الأكراد من كلّ قطر ، وحملوا إليه الأموال . ثم إنّه أراد أن يخرج على السّلطان بمن معه من الأكراد في كلّ بلد ، فباعوا أموالهم ، واشتروا الخيل والسّلاح ، ووعد رجاله بنيابات البلاد ، ونزل بأرض اللجّون . فبلغ ذلك السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ، فكتب إلى الأمير تنكز نائب الشّام بكشف أخبارهم ، وأمسك « 1 » « 2 »
--> - 557 ه / 1160 م أو 1162 م ، عند ابن الأثير : الكامل في التاريخ 11 : 289 ؛ ابن المستوفي : تاريخ إربل 1 : 114 - 115 ؛ ابن خلكان : وفيات الأعيان 3 : 254 - 255 ( مصدر المقريزي ) ؛ ابن الفوطي : الحوادث الجامعة 315 ؛ الذهبي : سير أعلام النبلاء 20 : 342 - 344 ؛ أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 5 : 261 . والشيخ عدي هو أصل الطريقة المعروفة ب « اليزيديّة » التي كوّنها ابنه حسن بن عديّ ، المقتول سنة 644 ه / 1246 م ، والذي يعتقد الأكراد رجعته ولا يعتقدون أنّه قتل ( الذهبي : سير أعلام النبلاء 23 : 223 - 224 ؛ الصفدي : الوافي بالوفيات 12 : 101 - 103 ) . وراجع عن اليزيدية دراسة أحمد تيمور باشا : اليزيدية ومنشأ نحلتهم ، القاهرة 1352 ه / 1933 م ؛ إسماعيل بك جول : اليزيدية قديما وحديثا ، عني بنشرها قسطنطين زريق ، بيروت - الجامعة الأمريكية 1934 . ( 1 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 3 : 254 . ( 2 ) زين الدّين أبو المحاسن يوسف بن محمد بن حسن ابن عديّ ، المتوفى سنة 697 ه / 1297 م ، هو المدفون في هذه -