المقريزي

813

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

حقائق العزيمة ، والتزموا ألّا يدّخروا شيئا ، وتركوا الجمع والاستكثار من الدّنيا ، ولم يتقشّفوا ، ولا زهدوا ولا تعبّدوا ، وزعموا أنّهم قد قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى ، واقتصروا على ذلك ، وليس عندهم تطلّع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيب القلوب . والفرق بن الملامتي والقلندري : أنّ الملامتي يعمل في كتم العبادات ، والقلندري يعمل في تخريب العادات . والملامتي متمسّك بكلّ أبواب البرّ والخير ، ويرى الفضل فيه ، إلّا أنّه يخفي أعماله وأحواله « a » ، ويوقف نفسه موقف العوامّ في هيئته وملبوسه ، سترا للحال حتى لا يفطن له ، وهو مع ذلك متطلّع إلى طلب « b » المزيد من العبادات . والقلندري لا يتقيّد بهيئة ، ولا يبالي بما يعرف من حاله وما لا يعرف ، ولا ينعطف إلّا على طيب القلوب وهو رأس ماله « 1 » . وهذه الزّاوية خارج باب النصر من القاهرة ، من الجهة التي فيها التّرب والمقابر التي تلي المساكن ، أنشأها الشّيخ حسن الجوالقي القلندري ، أحد فقراء العجم القلندريّة على رأي الجوالقة « 2 » . ولمّا قدم إلى ديار مصر ، تقدّم عند أمراء الدّولة التركية ، وأقبلوا عليه واعتقدوه ، فأثرى ثراء زائدا في سلطنة الملك العادل كتبغا ، وسافر معه من مصر إلى الشّام . فاتّفق أنّ السّلطان اصطاد غزالا ، ودفعه إليه ليحمله إلى صاحب حماه . فلمّا أحضره إليه ، ألبسه تشريفا من حرير طرد وحش « c » « 3 » وكلّوتة زركش ، فقدم بذلك على السّلطان ، فأخذ الأمراء في مداعبته ، وقالوا له على سبيل الإنكار : كيف تلبس الحرير والذّهب وهما حرام على الرّجال ؟ فأين التّزهّد وسلوك طريق الفقر ؟ ونحو ذلك .

--> ( a ) بولاق : أحواله وأعماله . ( b ) ساقطة من بولاق . ( c ) بولاق : طرزوحش . - منظّمة ، وإن كانت توجد فروق جذريّة بين تفكير ومباشرة الملامتية والقلندريّة كما لاحظ ذلك السّهروردي في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي . ( عوارف المعارف ، القاهرة 1973 ، 72 - 75 ) . وراجع لمزيد من التّفصيلات حول هذا الموضوع ، أبا العلا عفيفي : « رسالة الملامتية لأبي عبد الرحمن محمد السّلمي » ، مجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة 6 ( مايو 1942 ) ، 47 - 105 ؛ IV , p . 439 ؛ المقريزي : السلوك 1 : 655 - 656 ه 4 . ( 1 ) السهروردي : عوارف المعارف 76 ( وهو مصدر نقل المقريزي ) . ( 2 ) يدل على موقع هذه الزّاوية الآن الجامع المعروف ب « جامع الخواصّ » الكائن بحارة الخوّاص المتفرّعة من شارع الحسينية خارج باب الفتوح . ( راجع ، المقريزي : السلوك 2 : 239 ؛ ابن حجر : الدرر الكامنة 2 : 135 - 136 ؛ أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 9 : 256 - 257 ه 4 ) . ( 3 ) انظر عن نسيج الطردوحش ، فيما تقدم 3 : 737 ه 1 .