المقريزي

479

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وصار إلى آمد ، فأقام بها عند ابن أرتق إلى أن مات الملك العادل في سنة خمس « a » وستّ مائة فطلبه الملك الكامل محمد ابن الملك العادل لمّا استبدّ بسلطنة ديار مصر بعد أبيه ، وهو في نوبة قتال الفرنج على دمياط ، حين رأى أنّ الضّرورة داعية لحضوره بعد ما كان يعاديه . فقدم عليه في ذي القعدة منها ، وهو بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط ؛ فتلقّاه وأكرمه ، وحادثه فيما نزل به من موت أبيه ، ومحاربة الفرنج ، ومخالفة الأمير عماد الدّين أحمد بن المشطوب ، واضطراب أرض مصر بثورة العربان وكثرة خلافهم . فشجّعه ، وتكفّل له بتحصيل المال وتدبير الأمور . وسار إلى القاهرة ، فوضع يده في مصادرات أرباب الأموال بمصر والقاهرة من الكتّاب والتّجّار ، وقرّر على الأملاك مالا ، وأحدث حوادث كثيرة ، وجمع مالا عظيما أمدّ به السّلطان . فكثر تمكّنه منه ، وقويت يده ، وتوفّرت مهابته بحيث إنّه لمّا انقضت نوبة دمياط ، وعاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل ، كان ينزل إليه ، ويجلس عنده بمنظرته التي كانت على الخليج ، ويتحدّث معه في مهمّات الدّولة . ولم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة ، وهو وزير ، في يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنتين وعشرين وستّ مائة . وكان بعيد الغور ، جمّاعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب ، قد ملأت هيبته الصّدور ، وانقاد له على الرّغم والرّضا الجمهور ، وأخمد جمرات الرّجال ، وأضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال . وبلغ عند الملك الكامل بحيث إنّه بعث إليه بابنيه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب والملك العادل أبي بكر ، ليزوراه في يوم عيد ، فقاما على رأسه قياما ، وأنشد زكيّ الدّين أبو القاسم عبد الرّحمن بن وهيب القوصي « 1 » قصيدة ، زاد فيها حين رأى الملكين قياما على رأسه . [ الكامل ] لو لم تقم في اللّه « b » حقّ قيامه * ما كنت تقعد والملوك قيام وقطع في وزارته الأرزاق ، وكانت جملتها أربع مائة ألف دينار في السنة ، وتسارع أرباب الحوائج والأطماع ومن كان يخافه إلى بابه ، وملأوا طرقاته وهو يهينهم ، ولا يحفل بشيخ منهم وهو عالم ، وأوقع بالرّؤساء وأرباب البيوت ، حتى استأصل شأفتهم عن آخرهم ، وقدّم الأراذل في مناصبهم .

--> ( a ) بولاق : خمسين . ( b ) بولاق : للّه . ( 1 ) انظر ترجمة ابن وهيب القوصي ، المتوفى سنة 631 ه / 1233 م ، عند ، المنذري : التكملة لوفيات النقلة 3 : 377 ؛ الأدفوي : الطالع السعيد 287 - 289 ؛ الصفدي : الوافي بالوفيات 18 : 305 - 308 .