المقريزي
750
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وتحكّم الأمير يشبك ، فاستدعى عند ذلك ابن غراب أخاه فخر الدّين ماجدا من الإسكندرية ، وهو يلي نظرها ، إلى قلعة الجبل ، وفوّضت إليه وزارة الملك الناصر فرج بن برقوق ، فقاما بسائر أمور الدّولة إلى أن ولي الأمير يلبغا السّالمي الأستادّارية ، فسلك معه عادته من المنافسة ، وسعى به عند الأمير يشبك حتى قبض عليه ، وتقلّد وظيفة الأستادّارية عوضا عن السّالمي ، في رابع عشر رجب سنة ثلاث وثمان مائة ، مضافا إلى نظر الخاصّ ونظر الجيوش . فلم يغيّر زيّ الكتّاب ، وصار له ديوان كدواوين الأمراء ، ودقّت الطبول على بابه ، وخاطبه الناس وكاتبوه بالأمير ، وسار في ذلك سيرة ملوكية من كثرة العطاء ، وزيادة الأسمطة ، والاتّساع في الأمور ، والازدياد من المماليك والخيول ، والاستكثار من الخول والحواشي حتى لم يكن أحد يضاهيه في شيء من أحواله . إلى أن تنازع الأميران جكم وسودون طاز مع الأمير يشبك ، فكان هو المتولّي كبر تلك الحروب . ثم إنّه خرج من القاهرة مغاضبا لأمراء الدّولة ، وصار إلى ناحية ترّوجة يريد جمع العربان ومحاربة الدّولة ، فلم يتمّ له ذلك وعاد ، فدخل القاهرة على حين غفلة ، فنزل عند جمال الدّين يوسف الأستادّار ، فقام بإصلاح أمره مع الأمراء حتى حصل له الغرض ، فظهر واستولى على ما كان عليه ، إلى أن تنكّرت رجال الدّولة على الملك الناصر فرج ، فقام مع الأمير يشبك بحرب السّلطان إلى أن انهزم الأمير يشبك بأصحابه إلى الشّام ، فخرج معه في سنة تسع وثمان مائة ، وأمدّه ومن معه بالأموال العظيمة حتى صاروا عند الأمير شيخ نائب الشّام ، واستنفر العساكر لقتال الملك الناصر ، وحرّضهم على المسير إلى حربه وخرج من دمشق مع العساكر يريد القاهرة ؛ فكان من وقعة السّعيدية ما كان ، على ما هو مذكور في خبر الملك الناصر ، عند ذكر « الخانقاه الناصريّة » من هذا الكتاب « 1 » . فاختفى الأمير يشبك وطائفة من الأمراء بالقاهرة ، ولحق ابن غراب
--> ( 1 ) لم يرد في المسوّدة أو المبيّضة ذكر لل « خانقاه الناصريّة » ، ولا ترجمة للسّلطان الملك الناصر فرج بن برقوق ، الأمر الذي يدلّ مرّة أخرى على أنّ ما وصل إلينا من كتاب « الخطط » به نقص يتعلّق على الأخصّ بفترة سلطنة الظّاهر برقوق وابنه الناصر فرج . ( راجع مناقشة ذلك في المقدّمة ) . كما أنّ ترجمة الناصر فرج في كتاب « درر العقود الفريدة » للمقريزي 3 : 17 - 18 ، جاءت في غاية الاختصار ، على عكس اللغة الناقدة التي استخدمها المقريزي في ترجمته للناصر فرج في السلوك 4 : 225 - 228 ، والتي اعتمد عليها أبو المحاسن بن تغري بردي في النجوم الزاهرة 13 : 151 - 153 . وما تزال « الخانقاه الناصرية » قائمة في قرافة المماليك شرق طريق صلاح سالم ، ومسجلة بالآثار برقم 149 . وتعدّ أكبر بناء أثري باق في قرافات مصر حيث تشغل مساحة قدرها 7500 مترا مربعا ، وضمّت رفات صفوة من علماء مصر والصّالحين . وقد شيّدها الناصر فرج بناء على -