المقريزي

700

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

عمائره ، وينقص من أجورهم ، وختم بقوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [ الآية 27 سورة الفرقان ] ، وقام فسأله الشّجاعيّ الدّعاء له ، فقال : يا علم الدّين / قد دعا لك ودعا عليك من هو خير منّي ، وذكر قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم من ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به ، ومن شقّ عليهم فاشقق عليه » . وانصرف . فصار الشّجاعيّ من ذلك في قلق ، وطلب الشّيخ تقيّ الدّين محمد بن دقيق العيد - وكان له فيه اعتقاد حسن - وفاوضه في حديث الناس في منع الصّلاة في المدرسة ، وذكر له أنّ السّلطان إنّما أراد محاكاة نور الدّين الشّهيد والاقتداء به ، لرغبته في عمل الخير ، فوقع الناس في القدح فيه ، ولم يقدحوا في نور الدّين . فقال له : إنّ نور الدّين أسر بعض ملوك الفرنج وقصد قتله ، ففدى نفسه بتسليم خمسة قلاع ، وخمس مائة ألف دينار حتى أطلقه ، فمات في طريقه قبل وصوله مملكته ، وعمّر نور الدّين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث . فمن أين يا علم الدّين تجد مالا مثل هذا المال ، وسلطانا مثل نور الدّين ؟ غير أنّ السّلطان له نيّته ، وأرجو له الخير بعمارة هذا الموضع . وأنت إن كان وقوفك في عمله بنيّة نفع الناس فلك الأجر ، وإن كان لأجل أن يعلم أستاذك علوّ همّتك فما حصلت على شيء . فقال الشّجاعيّ : اللّه المطّلع على النيّات . وقرّر ابن دقيق العيد في تدريس القبّة . قال مؤلّفه : إن كان التّحرّج من الصّلاة لأجل أخذ الدّار القطبيّة من أهلها بغير رضاهم ، وإخراجهم منها بعسف ، واستعمال أنقاض القلعة بالرّوضة ؛ فلعمري ما تملّك بني أيّوب الدّار القطبيّة وبناؤهم قلعة الرّوضة وإخراجهم أهل القصور من قصورهم التي كانت بالقاهرة ، وإخراج سكّان الرّوضة من مساكنهم ، إلّا كأخذ قلاوون الدّار المذكورة وبنائها بما هدمه من القلعة المذكورة ، وإخراج مؤنسة وعيالها من الدّار القطبيّة . وأنت إن أمعنت النظر وعرفت ما جرى ، تبيّن لك أنّ ما القوم إلّا سارق من سارق ، وغاصب من غاصب . وإن كان التّحرّج من الصّلاة لأجل عسف العمّال وتسخير الرّجال فشئ آخر . باللّه عرّفني - فإنّي غير عارف - من منهم لم يسلك في أعماله هذا السّبيل ؟ غير أنّ بعضهم أظلم من بعض « 1 » . وقد مدح غير واحد من الشّعراء هذه العمارة ، منهم شرف الدّين البوصيري فقال :

--> ( 1 ) انظر كذلك نقد المقريزي لنظام المماليك ، فيما تقدم 3 : 693 ، وأبا المحاسن : النجوم الزاهرة 14 : 154 : 4 - 5 .