المقريزي
698
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وقد تورّع طائفة من أهل الدّيانة عن الصّلاة في المدرسة المنصورية والقبّة ، وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله . وذلك أنّه لمّا وقع اختيار السّلطان على عمل الدّار القطبيّة مارستانا ، ندب الطواشي حسام الدّين بلالا المغيثي للكلام في شرائها . فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها ، على أن تعوّض عنها بدار تلمّها وعيالها ، فعوضّت قصر الزّمرّد برحبة باب العيد مع مبلغ مال حمل إليها ، ووقع البيع على هذا . فندب السّلطان الأمير سنجر الشّجاعي للعمارة ، فأخرج النساء من القطبيّة من غير مهلة ، وأخذ ثلاث مائة أسير ، وجمع صنّاع القاهرة ومصر ، وتقدّم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدّار القطبيّة ، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا ، وشدّد عليهم في ذلك - وكان مهابا - فلازموا العمل عنده ، ونقل من قلعة الرّوضة ما احتاج إليه من العمد الصّوّان والعمد الرّخام والقواعد والأعتاب والرّخام البديع وغير ذلك « 1 » . وصار يركب إليها كلّ يوم ، وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان ، ويعود إلى المارستان ، فيقف مع الصّنّاع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم . وأوقف مماليكه بين القصرين ، فكان إذا مرّ أحد - ولو جلّ - ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة ، فينزل الجندي والرّئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك . فترك أكثر الناس المرور من هناك ، ورتّبوا - بعد الفراغ من العمارة وترتيب الوقف - فتيا صورتها : « ما يقول أئمّة الدّين في موضع أخرج أهله منه كرها ، وعمّر بمستحثّين يعسفون الصّنّاع ، وأخرب ما عمّره الغير ونقل إليه ما كان فيه فعمّر به ؛ هل تجوز الصّلاة فيه أم لا ؟ » . فكتب جماعة من الفقهاء : « لا تجوز فيه الصّلاة » . فما زال المجد عيسى بن الخشّاب حتى أوقف الشّجاعي على ذلك ، فشقّ عليه ؛ وجمع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية ، وأعلمهم بالفتيا . فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشّيخ محمد المرجاني ، فإنّه قال : أنا أفتيت بمنع الصّلاة فيها ، وأقول الآن إنه يكره الدّخول من بابها ، ونهض قائما ، فانفضّ الناس . واتّفق أيضا أنّ الشّجاعي ما زال بالشّيخ محمد المرجاني يلحّ في سؤاله أن يعمل ميعاد وعظ بالمدرسة المنصورية ، حتى أجاب بعد تمنّع شديد . فحضر الشّجاعي والقضاة ، وأخذ المرجاني في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة ، وذمّ من يأخذ الأراضي غصبا ويستحثّ العمّال في
--> ( 1 ) فيما تقدم 3 : 586 .