المقريزي
464
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الأفضل لقتاله ، فمات منكوبا أحوج ما كان إلى الموت عند تولّي الإقبال وإقبال الإدبار في سحر يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين وخمس مائة ، ودفن بتربته من القرافة الصّغرى « 1 » . قال ابن خلّكان : وزر للسّلطان [ الملك ] صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ، وتمكّن منه غاية التمكّن ، وبرز في صناعة الإنشاء ، وفاق المتقدّمين ، / وله فيه الغرائب مع الإكثار . أخبرني أحد الفضلاء الثّقات المطّلعين على حقيقة أمره ، أنّ مسوّدات رسائله في المجلّدات والتّعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة [ مجلد ] ، وهو مجيد في أكثرها « 2 » . وقال عبد اللطيف البغدادي : دخلنا عليه فرأيت شيخا ضئيلا كلّه رأس وقلب ، وهو يكتب ويملي على اثنين ، ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوّة حرصه في إخراج الكلام ، وكأنّه يكتب بجملة أعضائه « 3 » . وكان له غرام في الكتابة وتحصيل الكتب ، وكان له الدّين والعفاف والتّقى ، والمواظبة على أوراد الليل ، والصّيام وقراءة القرآن ، وكان قليل اللذات ، كثير الحسنات ، دائم التّهجّد ، ويشتغل بعلوم الأدب وتفسير القرآن . غير أنّه كان خفيف البضاعة من النحو ، ولكن قوّة الدّراية توجب له قلّة اللحن وكان لا يكاد يضيع من زمانه شيئا إلّا في طاعة ، وكتب في الإنشاء ما لم يكتبه غيره . وحكى لي ابن القطّان - أحد كتّابه - قال : لمّا خطب صلاح الدّين بمصر للإمام المستضيء بأمر اللّه ، تقدّم إلى القاضي الفاضل بأن يكاتب الدّيوان العزيز وملوك الشّرق . ولم يكن يعرف خطابهم واصطلاحهم ، فأوعز إلى العماد الكاتب أن يكتب فكتب واحتفل ، وجاء بها مفضوضة ليقرأها الفاضل متبجّحا بها ، فقال : لا أحتاج أن أقف عليها ، وأمر بختمها وتسليمها إلى النجّاب ، والعماد يبصر . قال : ثم أمرني أن ألحق النجّاب ببلبيس ، وأن أفضّ الكتب ، وأكتب صدورها ونهايتها ، ففعلت ورجعت بها إليه . فكتب على حذوها وعرضها على السّلطان ، فارتضاها ، وأمر بإرسالها إلى أربابها مع النجّاب .
--> ( 1 ) الموفق بن عثمان : مرشد الزوار 620 . ( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 3 : 158 - 159 . ( 3 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء 2 : 205 . ووقف المقريزي على سيرة الإمام عبد اللطيف البغدادي - مصدر النقل - بخطّه . ( فيما تقدم 3 : 335 ) .