المقريزي

578

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم أحضر العدد التي كانت بالثّغر مرصدة برسم الجهاد ، فبلغت ستة آلاف عدّة ، ووضعها في حاصل ، وختم عليه . وخرج من الإسكندرية بعد عشرين يوما ، وقد سفك دماء كثيرة ، وأخذ منها مائتي ألف دينار للسّلطان ، وعاد إلى القاهرة ، فلم يزل على حاله إلى أن صرف عن الوزارة في يوم الأحد ثاني شوّال سنة ثمان وعشرين . ورسم أن توفّر وظيفة الوزارة من ولاية وزير ، فلم يستقرّ أحد في الوزارة ، وبقي الجمالي على وظيفة الأستادّاريّة . وكان سبب عزله عن الوزارة توقّف حال الدّولة ، وقلّة الواصل إليها . فعمل عليه الفخر ناظر الجيش والتّاج إسحاق ، بسبب تقديمه لمحمد بن لفيتة ، فإنّه كان قد استقرّ في نظر الدّولة والصّحبة والبيوت ، وتحكّم في الوزير وتسلّم قياده . فكتبت مرافعات في الوزير ، وأنّه أخذ مالا كثيرا من مال الجيزة ، فخرج الأمير أيتمش المجدي بالكشف عليه ، وهمّ السّلطان بإيقاع الحوطة به . فقام في حقّه الأمير بكتمر السّاقي حتى عفي عنه ، وقبض على كثير من الدّواوين . ثم إنّه سافر إلى الحجاز ، فلمّا عاد توفي بسطح عقبة أيلة ، في يوم الأحد سابع عشر المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة ، فصبّر وحمل إلى القاهرة ، ودفن بهذه الخانقاه في يوم الخميس حادي عشرين المحرّم المذكور ، بعد ما صلّي عليه بالجامع الحاكمي . وولّى السّلطان بعده الأستادّارية الأمير آقبغا عبد الواحد . وكان ينوب عن الجمالي في الأستادّارية ألطنقش مملوك الأفرم ، نقله إليها من ولاية الشّرقيّة . وكان الجمالي حسن الطباع ، يميل إلى الخير مع كثرة الحشمة ، وممّا شكر عليه في وزارته أنّه لم يبخل على أحد بولاية مباشرة ، وأنشأ ناسا كثيرا ، وقصد من سائر الأعمال . وكان يقبل الهدايا ويحب التّقادم ، فحلت له الدّنيا وجمع منها شيئا كثيرا . وكان إذا أخذ من أحد شيئا على ولاية ، لا يعزله حتى يعرف أنّه قد اكتسب قدر ما وزنه له ولو أكثر عليه في السّعي ، فإذا عرف أنّه أخذ ما غرمه عزله وولّى غيره ، ولم يعرف عنه أنّه صادر أحدا ولا اختلس مالا . وكانت أيّامه قليلة الشّرّ ، إلّا أنّه كان يعزل ويولّي بالمال فتزايد الناس في المناصب ، وكان له عقب بالقاهرة غير صالحين ولا مصلحين .