المقريزي

562

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فرجع من طريق السّماوة إلى حلب ، وبها الأمير سيف الدّين قرطاي نائب الغيبة ، فمنعه من العبور إلى المدينة ، ولم يمكّن أحدا من مماليك قراسنقر أن يخرج إليه - وكانت مكاتبة السّلطان قد قدمت عليه بذلك - فرحل حينئذ إلى مهنّا أمير العرب واستجار به ، فأكرمه وبعث إلى السّلطان يشفع فيه فلم يجد السّلطان بدّا من قبول شفاعة مهنّا ، وخيّر قراسنقر فيما يريد ، ثم أخرج عسكرا من مصر والشّام لقتال مهنّا وأخذ قراسنقر . فبلغه ذلك فاحترس على نفسه وكتب إلى السّلطان يسأله في صرخد ، وقصد بذلك المطاولة ، فأجابه إلى ذلك ، ومكّنه من أخذ حواصله التي بحلب ، وأعطى مملوكه ألف دينار ، فلمّا قدم عليه لم يطمئن وعبر إلى بلاد الشّرق في سنة ثنتي عشرة وسبع مائة في عدّة من الأمراء يريد خربندا فلمّا وصل إلى الرّحبة ، بعث بابنه فرج - ومعه شيء من أثقاله وخيوله وأمواله - إلى السّلطان بمصر ليعتذر من قصده خربندا ، ورحل بمن معه إلى ماردين . فتلقّاه المغل ، وقام له نوّاب خربندا بالإقامات إلى أن قرب من الأردوا « 1 » . فركب خربندا إليه ، وتلقّاه وأكرمه ومن معه وأنزلهم منزلا يليق بهم ، وأعطى قراسنقر المراغة من عمل أذربيجان ، وأعطى الأمير جمال الدّين آقوش الأفرم همدان وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مائة . فلم يزل هناك إلى أن مات خربندا ، وقام من بعده أبو سعيد بركة بن خربندا . فشقّ ذلك على السّلطان ، وأعمل الحيلة في قتل قراسنقر والأفرم ، وسيّر إليهما الفداويّة . فجرت بينهم خطوب كثيرة ، ومات قراسنقر بالإسهال ببلد المراغة في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة ، يوم السبت سابع عشرين شوّال ، قبل موت السّلطان بيسير « 2 » . فلمّا بلغ السّلطان موته في حادي عشر ذي القعدة عند ورود الخبر إليه ، قال : ما كنت أشتهي يموت إلّا من تحت سيفي ، وأكون قد قدرت عليه وبلغت مقصودي منه . وذلك أنّه كان قد جهّز إليه عددا كثيرا من الفداوية ، قتل منهم بسببه مائة وعشرون فداويّا بالسّيف سوى من فقد ، ولم يوقف له على خبر . وكان قراسنقر جسيما جليلا ، صاحب رأي وتدبير ومعرفة ، وبشاشة وجه ، وسماحة نفس ، وكرم زائد ، بحيث لا يستكثر على أحد شيئا ، مع حسن الشّاكلة ، وعظم المهابة ، والسّعادة

--> ( 1 ) حاشية بخط المؤلّف : « الأردو محلة السّلطان إذا نزل في موضع ، فيأخذ الأمراء والخواثين منازلهم ، وينصب به مساجد جامعة وأسواق يوجد بها كلّ ما في المدن الكبار حتى يكون للخاطئات أسواق ومحلّات » . ( 2 ) جاء هنا على هامش نسخة آياصوفيا : « قول المؤلّف قبل موت السّلطان بيسير وهم ، فإنّ وفاة السّلطان في سنة إحدى وأربعين وسبع مائة ، فليتأمّل » . وهي ملاحظة في موضعها .