المقريزي
554
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ابن عبد السّلام بن جميل التّونسي المالكي « 1 » ، ودرسا للحنفية درّس فيه « a » « 2 » ، وجعل فيها خزانة كتب ، وجعل عليها وقفا ببلاد الشّام . وهي اليوم بيد قضاة الحنفيّة يتولّون نظرها ، وأمرها متلاش ، وهي من المدارس الحسنة . منكوتمر « 4 » هو أحد مماليك الملك المنصور حسام الدّين لاجين المنصوري ، ترقّى في خدمته واختصّ به اختصاصا زائدا ، إلى أن ولي مملكة مصر بعد كتبغا في سنة ستّ وتسعين وستّ مائة ، فجعله أحد الأمراء بديار مصر ، ثم خلع عليه خلع نيابة السّلطنة - عوضا عن الأمير شمس الدّين قراسنقر المنصوري - يوم الأربعاء النصف من ذي القعدة . فخرج سائر الأمراء في خدمته إلى دار النيابة ، وباشر النيابة بتعاظم كثير ، وأعطى المنصب حقّه من الحرمة الوافرة والمهابة التي تخرج عن الحدّ ، وتصرّف في سائر أمور الدّولة من غير أن يعارضه السّلطان في شيء ألبتّة ، وبلغت عبرة إقطاعه في السنة زيادة على مائة ألف دينار . ولمّا عمل الملك المنصور الرّوك ، المعروف ب « الرّوك الحسامي » « 3 » ، فوّض تفرقة مثالات إقطاعات الأجناد له ، فجلس في شبّاك دار النيابة بقلعة الجبل ، ووقف الحجّاب بين يديه ، وأعطى لكلّ تقدمة مثالات ، فلم يجسر أحد أن يتحدّث في زيادة ولا نقصان ، خوفا من سوء خلقه وشدّة حمقه . وبقي أيّاما في تفرقة المثالات ، والناس على خوف شديد فإنّ أقلّ الإقطاعات كان في أيّام الملك المنصور قلاوون عشرة آلاف درهم في السنة ، وأكثره ثلاثين ألف درهم ، فرجع في الرّوك الحسامي أكثر إقطاعات الحلقة إلى مبلغ عشرين ألف درهم وما دونها . فشقّ ذلك على الأجناد وتقدّم طائفة منهم ورموا مثالاتهم التي فرّقت عليهم ؛ لأنّ الواحد منهم وجد مثاله بحق النصف
--> ( a ) بياض في ميونخ وآياصوفيا . ( 1 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « مات ليلة الثلاثاء حادي عشرين صفر سنة خمس وسبع مائة ودفن بالقرافة ، ومولده في سنة تسع وثلاثين وستّ مائة » . ( 2 ) ذكر القرشي في ترجمة فخر الدّين أبي القاسم بن نصر اللّه بن فخر الدّولة بن يحيى الدّمشقي ، المتوفى سنة 708 ه / 1308 م ، أنّه درّس بالمنكوتمرية ، وأنّه أوّل مدرّس بها بتولية واقفها . ( الجواهر المضية 4 : 114 ) . ( 3 ) راجع ترجمة منكوتمر الحسامي ، المتوفى سنة 698 ه / 1298 م ، عند ، الصفدي : أعيان العصر 5 : 455 - 456 ؛ أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 8 : 100 - 105 ، 188 ، الدليل الشافي 2 : 746 . ( 4 ) انظر عنه فيما تقدم 1 : 236 - 237 .