المقريزي
546
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
يسيّر الفرّاش وهو جيد له . وكان قبل ذلك اتّفق أنّ الأمير أبا بكر خرج من خدمة السّلطان إلى بيته ، فإذا الأمير آقبغا قد بطح مملوكا وضربه ، فوقف أبو بكر بنفسه ، وسأل آقبغا في العفو عن المملوك ، وشفع فيه ، فلم يلتفت آقبغا إليه ، ولا نظر إلى وجهه ، فخجل أبو بكر من الناس - لكونه وقف قائما بين يدي آقبغا وشفع عنده ، فلم يقم من مجلسه لوقوفه ، بل استمرّ قاعدا وأبو بكر واقف على رجليه ، ولا قبل مع ذلك شفاعته - ومضى وفي نفسه منه حنق كبير . فلمّا عاد إليه مملوكه ، وبلّغه كلام آقبغا بسبب هذا الفرّاش ، أكّد ذلك عنده ما كان من الإحنة ، وأخذ في نفسه إلى أن مات أبوه الملك الناصر ، وعهد إليه من بعده ، وكان قد التزم أنّه إن ملّكه اللّه ليصادرنّ آقبغا . وليضربنّه بالمقارع ، وقال للفرّاش : اقعد في بيتي ، وإذا حضر أحد لأخذك عرفت ما أعمل معه . وأخذ آقبغا يترقّب الفرّاش ، وأقام أناسا للقبض عليه ، فلم يتهيّأ له مسكه . فلمّا أفضى الأمر إلى أبي بكر ، استدعى الأمير قوصون - وكان هو القائم حينئذ بتدبير أمور الدّولة - وعرّفه ما التزمه من القبض على آقبغا ، وأخذ ماله وضربه بالمقارع ، وذكر له ولعدّة من الأمراء ما جرى له منه . وكان لقوصون بآقبغا عناية ، فقال للسّلطان : السّمع والطاعة ، يرسم السّلطان بالقبض عليه ومطالبته بالمال ، فإذا فرغ ماله يفعل السّلطان ما يختاره . وأراد بذلك تطاول المدّة في أمر آقبغا . فقبض عليه ، ووكّل به رسل ابن صابر ، حتى إنّه بات ليلة قبض عليه من غير أن يأكل شيئا . وفي صبيحة تلك الليلة تحدّث الأمراء مع السّلطان في نزوله إلى داره محتفظا به ، حتى يتصرّف في ماله ، ويحمله شيئا بعد شيء . فنزل مع المجدي ، وباع ما يملكه ، وأورد المال . فلمّا قبض على الحاج إبراهيم بن صابر ، وأقيم ابن شمس موضعه ، أرسله السّلطان إلى بيت آقبغا ليعصره ويضربه بالمقارع ويعذّبه . فبلغ ذلك الأمير قوصون ، فمنع منه ، وشنّع على السّلطان كونه أمر بضربه بالمقارع ، وأمر بمراجعته . فحنق من ذلك ، وأطلق لسانه على الأمير قوصون ، فلم يزل به من حضره من الأمراء حتى سكت على مضض . وكان قوصون يدبّر في انتقاض دولة أبي بكر إلى أن خلعه ، وأقام بعده أخاه الملك الأشرف كجك بن محمد بن قلاوون ، وعمره نحو السبع سنين ، وتحكّم في الدّولة . فأخرج آقبغا هو وولده من القاهرة ، وجعله من جملة أمراء الدّولة بالشّام . فسار من القاهرة في تاسع ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة ، على حيّز الأمير مسعود بن خطير بدمشق ، ومعه عياله فأقام بها ،